عرب سكاي – الجزائر -رياض معزوزي
صيام الأطفال لأول مرة في الجزائر ليس حدثا عاديا، بل مناسبة تحاول فيها العائلات هناك اخراجها في صورة بهية تعكس أسمى آيات تقديس هذه الشعيرة الدينية المهمة، عادات وتقاليد تختلف من منطقة إلى أخرى، تعبيرا عن الفرح والابتهاج بأول يوم صيام الابن أو البنت، ويكون ذلك في الغالب أيام المنصف من الشهر الفضيل، أو في ليلة السابع والعشرين حسب المنطقة.
عرب سكاي أرادت ان توجز من خلال هذا التقرير، أهم العادات والتقاليد المتوارثة أبا عن جدا في الجزائر ومن مختلف المناطق والمحافظات احتفالا بصيام الأطفال لأول مرة، وهي العادات التي يرفض الأهالي التخلي عليها، رغم عصر التكنلوجيا والعولمة الجارفة.
ملوك وملكات
في الوسط الجزائري وبالتحديد بمحافظات العاصمة، البليدة والمدية ، يرافق الوالدان الأبناء الصائمين لأول مرة الى الأسواق، وتكون لهم الحرية في اختيار ما يشتهونه أكلا ولباسا، وتبدوا البنت حينها وكأنها عروس ستُزَف، فيما يخيل للطفل واكنه المسؤول والقائد وصاحب قرار، وأثناء سهرة الاحتفال تُفرغ الحلويات والمكسرات على رأس الطفل الصائم، وتوضَع تحت قدميه وسادة كنوع من الدلال الملكي، وبعد الإفطار تُجلس الطفلة بين النسوة وهي مرتدية أجمل ثوب، فيما يختار للطفل مكانا ملكيا بين الرجال، ويتم استشارته في بعض القضايا حتى يحسسونه بالمسؤولية والاحترام، وتحرص عائلات الجهة الغربية للبلاد بالأخص المدن الكبيرة كوهران، مستغانم ، على دعوة الأهل لتقاسم مائدة الإفطار مع صغيرها الصائم لأول مرة، إذ تحضر مختلف أصناف الحلويات والمأكولات ليخص بمائدة إفطار تشمل الأطباق التي يشتهيها ويفضلها عادة، وغالبا ما يعمد رب العائلة إلى أخذ صغيره في الساعات الأخيرة التي تسبق موعد آذان الإفطار خارج البيت ويتباهى بصيامه أمام جيرانه وأصدقائه، بهدف تحسيس الطفل بعظمة العمل الذي يقوم به، وتحبيب فضيلة الصيام في نفسه، ودفعه للحرص عليه مثلما يجب أن يحرص على أداء الصلاة والقيام بمختلف العبادات، وفي قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري، تلبس الفتاة الصائمة جبة “الفرقاني” وهو زي تقليدي مطرز بخيوط الذهب، وتلبس البنت التلمسانية غرب البلاد “الشدّة” وهو أيضا لباس تقليدي عريق كما تزيّن يداها بالحناء، التي عادة ما تكون تلك التي يجلبها الحجاج من البقاع المقدسة تبرّكا بها وبمكة المكرمة، ويتم أخذ صور عائلية رفقة الأعمام والأخوال والعمات والخالات وهم يحيطون بصينية الشاي الأخضر بالنعناع وكل أنواع الحلوى التي تصنع في رمضان في البيوت “كالبقلاوة وقلب اللوز والقطا يف”

الطفل الصائم لا يأكل الا من اوان جديد بالأوراس
تعد محافظة باتنة شرق البلاد عاصمة الأوراس أو الشاوية في الجزائر، وهي منطقة لها عاداتها وتقاليدها الخاصة في تشجيع الأطفال على الصيام لأول مرة، منها شراء أدوات طعام خاصة بهم من أباريق وأكواب وصحون بأحجام صغيرة، ليتناولو فيها طعام الإفطار الأول في مشوارهم كصائمين، فيكون ذلك عاملا محفزا لهم على الصيام، وتفضّل العائلات هناك صيام الطفل لأول مرة في النصف الثاني من رمضان، أو اختيار اليوم السابع والعشرين منه، وتحرص ربات البيوت على تحضير الاكلات التي يحبذها الطفل الصائم ، ويفضل ان يتم تحضيراها في الأواني الجديدة التي تم اقتناؤها بالمناسبة، ويفطل الطفل في هذه المناطق على حبة تين مجففة محشوة بالجوز واللوز ومحلاة بعسل طبيعي، وهي أكلة تعكس البعد الفلاحي لمنطقة الاوراس التي تعتمد على الزراعات الجبلية وانتاج العسل، ولمزج صور الأصالة والمعاصرة في قالب واحد تختار العائلات توثيق اليوم الاول من صيام الأطفال، من خلال تصوير الطفل قبل، أثناء وبعد الافطار، وهناك حتى من يعتمد على استوديوهات تصوير محترفة لتتكفل بالمهمة.
افطار فوق سطح البيت بمنطقة القبائل
يكون الافطار الأول للطفل الصائم بمنطقة القبائل في الجزائر شبيها لوليمة يحضرها الأهل والأقارب، تبدا بدعوتهم بعد تحديد موعد مسبق، كما يتم بالمناسبة تحضير طبق “الكسكس براس العجل” تعظيما لهذه المحطة المهمة، أما الصائمين لأول مرة فيتم تزينهم باللباس التقليدي المعروف بألوانه الزاهية هناك، فالطفلة تقوم بارتداء “الجبة القبائيلة” يتوسطها “آحرام”، وهي فوطة توضع مكان الحزام، ام الطفل فيرتدي برنوسا بربريا عريقا اقتداءا بالأجداد، ومن الملفت بالمنطقة، ان الأطفال الصائمين لأول مرة يتم افطارهم على سطح المنزل تبجيلا وتعظيما للشهر الفضيل ، فقبيل آذان المغرب يعتلي الطفل العلية التي غالبا ما تكون من قرميد ومعه طبق “لمسمن” المحلى بالعسل، ويكون هو اول من يسمع الآذان ويبشر عائلته قبل البدأ في الافطار، في وقت يكون فيه الأخوال والأعمام مجتمعون في البيت على مائدة افطار واحدة، وكل واحد منهم يحمل هدية بسيطة للطفل الصائم كتحفيز او تشجيع ، ومن عادات المنطقة أيضا، أن ماء الشرب لتلك الليلة يكون جلبه من المنابع الطبيعية الجبيلة هناك، ويساهم الطفل الصائم لأول مرة في هذه العملية.
الافطار على خاتم من ذهب او فضة
تحرص العائلات الجزائرية بعدد من محافظات الغرب والشرق كوهران وعنابة وتلمسان وقسنطينة، على دعوة الأعمام والأخوال والخالات والعمات لتقاسم مائدة الإفطار مع صغيرها الصائم لأول مرة وهي فرصة لقضاء ليلة القدر المباركة وتحافظ هذه العائلات على تقاليد قديمة تحرص على توريثها للأجيال ومنها ان يفطل الطفل الصائم لأول مرة بتناول كأس الشربات المحلى بالعسل، وهو مشروب تقليدي يعد سيد مشروبات الشهر الكريم يحضر من الماء وماء الزهر وقليل من القرفة وشرائح دائرية رفيعة من الليمون ومحاله بالعسل، ولا يبدأ الطفل في تناول هذا المشروب قبل أن تلقي الأم أو الجدة داخل الكأس خاتما من ذهب او فضة، كرمز للصفاء وتقديس الصيام، فيكون ذلك الخاتم من نصيبه، يدخره او يبيعه فهو حر في ذلك، وكانت بعض العائلات بمحافظة تلمسان العريقة تلجأ في الماضي إلى تزويد الطفل بقطعة نقود من فضة، يأخذ بطرفها ويباشر أكل جزء صغير من الطبق الذي يفضله قبل أن يكمل أكل ما طاب ولذّ من المأكولات التي تحضر له خصيصا بالملعقة والشوكة العادية ، وتنفرد مدينة “تنس” عروس الساحل الغربي الجزائري، بتحضير “الرفيس التمري” أو “الرفيس التونسي” مثلما تطلق عليه بعض المناطق في الجزائر بالأخص الشرقية الواقعة على الحدود مع الشقيقة تونس، ويعد هذا النوع من الحلوى التقليدية، التي بدأت تأخذ طريقها إلى الزوال، اساس إفطار الطفل الصغير الذي يصوم لأول مرة .

ذبيحة الصيام بالصحراء
لا يزال بعض سكان الجنوب الجزائري يحتفلون بصيام أبنائهم من خلال ذبح خروف مع دعوة الأهل والأقارب على مأدبة إفطار خاصة وتمسى “ذبيحة الصيام” على شكل عقيقة او ما شابه ذلك ، وترتدي الفتاة الصائمة ملابس تقليدية خاصة بمنطقتها وتتزيّن بمختلف الحلي وكأنها عروس صغيرة، في حين يختار الطفل لباس القشابية رمز الرجولة والنخوة، خاصة بمحافظات الجلفة وورقة وبشار، وتحتفل العائلات بالصغار الذين يصومون لأول مرة من خلال تحضير طبق الكسكسي بالعسل ليفطروا عليه وتقدم لهم هدايا من الذهب أو الفضة مكافأة على صبرهم طيلة اليوم وتشجيعا لهم على الصوم، كما يتم ارفاقهم الى المساجد لصلاة التراويح ليلا، تعقبها سهرة من شاي وحلويات تقليدية، غالبا ما يكون المدعوون اليها من رفاق وأصدقاء الصائم لأول مرة.


