عرب سكاي – القاهرة – رشا اليمني
تشهد العلاقات الأردنية المصرية مرحلة متقدمة من التعاون الاستراتيجي، في ظل حرص القيادتين على تعزيز التكامل الاقتصادي وترسيخ الاستقرار الإقليمي، بما يعكس عمق الروابط التاريخية والمصالح المشتركة بين البلدين.
وقد تحولت هذه العلاقات من مجرد تنسيق سياسي تقليدي إلى شراكة شاملة تشمل قطاعات حيوية، أبرزها البنية التحتية والطاقة والتبادل التجاري، إلى جانب التنسيق المستمر في القضايا الإقليمية.
وفي هذا السياق، قال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، لـ”عرب سكاي”، إن العلاقات الأردنية المصرية تمثل نموذجا ناجحا للتكامل العربي القائم على المصالح المشتركة، خاصة في ظل التحديات الإقليمية الراهنة، مؤكدا أن التنسيق بين عمّان والقاهرة يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي في المنطقة.
وفي مقدمة مجالات التعاون، يبرز مشروع “الناقل الوطني للمياه” في الأردن كأحد أهم المشاريع الاستراتيجية، بمشاركة شركات مصرية كبرى، حيث يستهدف المشروع تحلية ونقل نحو 300 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، بما يسهم في تعزيز الأمن المائي للمملكة.
ولا يمكن قراءة مشروع “الناقل الوطني للمياه” كمجرد مشروع بنية تحتية، بل باعتباره استثمارا مباشرا في الأمن القومي الأردني، وامتدادا للدور المصري المتنامي في ملفات الأمن المائي الإقليمي.
وفي هذا الإطار، أكد السفير عبدالله الأشعل، مساعد وزير الخارجية الأسبق، في حديثه لـ”عرب سكاي”، أن التعاون بين مصر والأردن تجاوز الإطار الثنائي ليأخذ بعدا استراتيجيا مرتبطا بالأمن القومي العربي، مشيرا إلى أن المشاريع المشتركة، خاصة في مجالات المياه والطاقة، تعكس إدراكا مشتركا لحجم التحديات المستقبلية.
هذا التداخل بين الاقتصاد والأمن يتكرر أيضا في ملفات الطاقة والربط الكهربائي، حيث تسعى عمّان والقاهرة إلى خلق شبكة أمان إقليمية تقلل من هشاشة الاعتماد على مصادر خارجية، خاصة في ظل اضطرابات أسواق الطاقة العالمية.
كما يشهد التعاون الاقتصادي طفرة ملحوظة من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل الإجراءات الجمركية، وتنظيم معارض مشتركة، بما يفتح آفاقًا أوسع لزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين.
ومن الجانب الاقتصادي، أوضح الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، لـ”عرب سكاي”، أن تعزيز التعاون بين عمّان والقاهرة، خاصة في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، من شأنه خلق فرص عمل جديدة وزيادة معدلات النمو، لافتًا إلى أن تسهيل الإجراءات التجارية يمثل خطوة مهمة لرفع كفاءة التبادل الاقتصادي بين البلدين.
وفي قطاع الطاقة، يعمل الجانبان على تعزيز الربط الكهربائي والتعاون في مجالات النفط والثروات المعدنية، بما يدعم جهود التكامل الإقليمي في هذا القطاع الحيوي، بينما تمثل إعادة تشغيل خطوط النقل البري خطوة مهمة لتيسير حركة البضائع والركاب وتعزيز التجارة البينية.
كما أن إعادة تشغيل خطوط النقل البري لا تمثل فقط تسهيلًا تجاريًا، بل إعادة إحياء لممرات استراتيجية تربط المشرق العربي بشمال أفريقيا، وهو ما يحمل أبعادا جيوسياسية تتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة.
ورغم هذا التقدم، لا يزال مستوى التبادل التجاري أقل من الطموح مقارنة بالإمكانات المتاحة، وهو ما يدفع البلدين إلى تسريع وتيرة التكامل من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة باعتبارها أداة لتعميق الترابط الاقتصادي، وليس مجرد وسيلة للنمو.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات، أبرزها البيروقراطية، وتباين الهياكل الاقتصادية، والضغوط الإقليمية، وهو ما يجعل نجاح التجربة مرهونا بقدرة الطرفين على الانتقال من التنسيق إلى التكامل المؤسسي الكامل.
وعلى الصعيد السياسي، يتميز التنسيق المصري الأردني بدرجة عالية من التوافق تجاه القضايا الإقليمية والدولية، حيث يعمل البلدان بشكل مشترك على دعم الاستقرار في المنطقة والتعامل مع التحديات الأمنية والاقتصادية.
ويؤكد مراقبون أن هذا التوافق يعكس وحدة الرؤية بين البلدين، خاصة في ظل الأزمات الإقليمية المتلاحقة، وهو ما يعزز من دورهما كركيزتين أساسيتين في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة العربية.
وفي النهاية، وفي ظل هذه المعطيات، تبدو العلاقات الأردنية المصرية مرشحة لمزيد من التطور خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بإرادة سياسية قوية ورؤية مشتركة تسعى إلى تحقيق التكامل والتنمية المستدامة، بما يخدم مصالح الشعبين ويعزز استقرار المنطقة بأسرها.

