خليل النظامي
في اللحظات الكبرى تنكشف الدول،،، وتنفضح نخبها السياسية،،
واليوم لا يواجه الأردن ظرفا عاديا،،، بل يقف تحت ضغط أمني وسياسي واقتصادي مفتوح في إقليم مشتعل وحدود ملتهبة وسماء مهددة،،، واقتصاد يئن تحت وطأة الدين والبطالة وغلاء المعيشة،،،
وفي مثل هذه اللحظات يفترض أن تتقدم النخب السياسية إلى الصف الأول،،، وأن تتحمل مسؤوليتها،،، وتدافع عن النظام السياسي والدولة والمجتمع بوعي وشجاعة وموقف،، لكن ما نراه هو العكس تماما،،،
نخب سياسية صنعتها الدولة،،، ورعتها وفتحت لها الأبواب،،، ومنحتها المناصب والألقاب والامتيازات،،، ثم اتضح عند ساعة الخطر أنها نخب بلا أثر،،، وبلا مشروع،،، وبلا وزن حقيقي في الشارع،،، وبلا قدرة على الفعل خارج مكاتب البروتوكول وصور المناسبات،،،
هذه ليست نخب دولة،،، بل نخب استهلكت الدولة،، وعاشت على هامشها،،، واقتاتت من هيبتها،،، ثم اختفت عندما احتاجها الوطن،،
المشكلة يا احبتي لم تعد في ضعف هذه النخب فقط،،، بل في طبيعتها من الأساس،،،
فنحن أمام طبقة سياسية جرى تصنيع جزء كبير منها داخل مطابخ الترضية والتدوير والتوريث الوظيفي،،، لا داخل ميادين العمل الوطني العام،،، طبقة تعرف كيف تقترب من الكرسي،،، لكنها لا تعرف كيف تقترب من الناس،، طبقة تحفظ لغة الصالونات،،، لكنها تعجز عن لغة الشارع،، طبقة تكثر من الحديث عن الدولة،،، لكنها لا تمارس معنى الدولة حين تتعرض للضغط والاختبار،،،
لقد قدمت الدولة الأردنية عبر عقود طويلة عشرات الأسماء بوصفهم رجالات دولة،،، ثم تبين عند أول منعطف حقيقي أن كثيرا منهم مجرد رجالات مناصب لا رجالات مواقف،،، ورجال إدارة منفعة لا رجال مسؤولية وطنية،، ورجال حضور في الولائم واللقاءات المغلقة والخطب والأفراح والمناسف لا رجال حضور في المعارك السياسية والإعلامية والاجتماعية حين يحتاجهم الأردن،،
وحين احتاج الأردن إلى خطاب وطني صلب،،، وموقف سياسي متماسك،،، ونخبة تساند الدولة بلا نفاق،،، وتنتقد الخلل بلا تخريب،، وتعبئ الناس بلا استعراض،،، فلم يجد هذا الأردن إلا فراغا مروعا،، وصمتا باردا،، وضجيجا فارغا،، وسباقا رخيصا على الظهور،،، وحسابات شخصية صغيرة في لحظة لا تحتمل الصغائر،،،
هذه النخب لم تفشل فقط في الدفاع عن الأردن،،، بل فشلت قبل ذلك في بناء ثقة حقيقية مع الأردنيين،، ولهذا لا يلتفت إليها الناس إلا بوصفها جزءا من الأزمة،،
فالمواطن لم يعد يرى فيها ضميرا سياسيا،،، ولا مرجعية وطنية،،، ولا سندا أخلاقيا،،، بل يراها طبقة مغلقة ومتخمة بالخطاب وفقيرة بالفعل،،، طبقة تتكرر فيها الوجوه نفسها،،، وتتبدل المواقع نفسها،،، وتدور حول نفسها منذ سنوات طويلة من دون أن تنتج فكرة كبرى،،، أو إصلاحا حقيقيا،،، أو مشروعا وطنيا مقنعا،،
والأخطر من ذلك أن بعض هذه النخب لم تكتف بالعجز،،، بل أسهمت في إنتاج الوهم،،
أوهمت الدولة أنها تملك قواعد اجتماعية وهي لا تملك إلا الصفر،، وأوهمت الناس أنها تدافع عن المصلحة العامة وهي تدافع عن حصتها،،، وأوهمت المشهد السياسي أنه مليء بالحيوية، بينما الحقيقة أنه مثقل بالجمود والتكلس والخوف من أي تجديد حقيقي،،
ومن حق الأردنيين اليوم أن يسألوا بصوت عال،،،
ماذا قدمت هذه النخب للبلد حين اشتدت الأزمات؟
ماذا فعلت أمام التهديدات الخارجية؟
ماذا صنعت أمام الانكماش الاقتصادي؟
أين مبادراتها؟ أين خطابها؟ أين قدرتها على تنظيم المجتمع سياسيا ومعنويا؟
أين حضورها بين الناس؟ أين شجاعتها في قول الحقيقة؟ وأين مسؤوليتها عن هذا الفراغ الكبير الذي نراه؟،،،
الحقيقة القاسية أن الدولة الأردنية دفعت ثمن الاعتماد الطويل على نخب ضعيفة ومروضة ومتشابهة، ومصنوعة على مقاس الطاعة أكثر من الكفاءة،،، وعلى قاعدة السلامة الشخصية أكثر من الجرأة الوطنية،،،
ولهذا صار الأردن في كثير من الأحيان أقوى من نخبه،،، وصار الشارع أكثر وعيا من بعض سياسييه،،، وصار المواطن العادي أكثر استعدادا للدفاع عن الدولة من شخصيات تتصدر المشهد منذ سنوات بلا حصيلة تذكر،،،
الأردن لا يحتاج اليوم إلى وجوه مستهلكة تعيد الكلام نفسه بعبارات مختلفة،، ولا يحتاج إلى نخب تظهر عند كل تعديل وزاري ثم تختفي.،، ولا إلى شخصيات لا تسمع إلا صوتها ولا ترى في الدولة إلا سلما للصعود والمنفعة،،،
الأردن الغالي يحتاج إلى مراجعة قاسية لهذه الطبقة السياسية كلها،، ويحتاج إلى كسر الحلقة المغلقة التي أعادت إنتاج العجز تحت أسماء جديدة،، ويحتاج إلى رجال دولة حقيقيين، لا إلى موظفي خدمة عامة،، ويحتاج إلى كفاءات تملك الشجاعة والنزاهة والاستقلال والقدرة على العمل بين الناس، لا إلى محترفي الاصطفاف قرب النفوذ،،،
لقد أثبت الأردنيون البسطاء مرة بعد مرة أنهم أكثر صدقا من كثير من نخبهم،،، وأكثر ولاء للبلد وأكثر استعدادا لتحمل الكلفة،،،
العمال،،، وأبناء الأجهزة الأمنية والعسكرية،، والمعلمون، والمزارعون، والموظفون، وأبناء المحافظات، هم الذين يحملون الأردن فعلا عند الشدة،،،
أما كثير ممن احتكروا الكلام باسم الدولة، فقد أثبتوا أنهم أضعف من الدولة، وأصغر من اللحظة، وأقل من مستوى الخطر،،
لهذا فإن السؤال اليوم لم يعد أين رجالات الدولة الأردنية فقط، بل من الذي صنع هذه النخب الهشة،،، ومن الذي منحها صفة رجالات دولة،، ومن الذي أبقاها في الواجهة رغم فشلها وفسادها المزمن،،، ومن الذي سيحاسبها على ما أوصلت إليه الحياة السياسية من ضعف وفراغ وفقدان ثقة،،
الأردن اليوم لا يحتمل المجاملة،،، ولا يحتمل الأقنعة،، ولا يحتمل تدوير الفشل،، فهذه لحظة تسمية الأشياء بأسمائها،، وكثير من النخب السياسية التي صنعتها الدولة لم تكن حصنا لها،، بل كانت عبئا عليها،، ولم تكن ذراعا في المعركة،،، بل ثقلا يعيق الحركة،، ولم تكن حائط صد،،، بل واجهة رخوة سرعان ما تنكشف عند أول اختبار،،
لهذا يجب أن يقال بوضوح،،،
إن إنقاذ هيبة السياسة في الأردن يبدأ من إنهاء زمن النخب المصنوعة والنفوذ المستعار والبطولات الورقية،،، وإعادة الاعتبار للكفاءة والموقف والعمل العام الحقيقي،،،
غير ذلك يعني أن تبقى الدولة تدفع الثمن مرتين،،، مرة بسبب الخطر الخارجي،،، ومرة بسبب هشاشة من يفترض أنهم حراسها من الداخل،،

