عرب سكاي – محمود الفروخ
رام الله- تشهد الانتخابات البلدية الفلسطينية المزمع اجراؤها في الخامس والعشرين من الشهر الجاري في الهيئات المحلية بمحافظات الضفة الغربية يُضاف إليها مدينة دير البلح في غزة مع استثناء الهيئات المحلية الاخرى في قطاع غزة والقدس المحتلة عزوفا كبيرا في مشاركة الاحزاب والفصائل الفلسطينية كافة باستثناء حركة فتح التي تسيطر على السلطة الفلسطينية وبعض فصائل منظمة التحرير غير المؤثرة و التي تنطوي تحت عباءتها السياسية ، ويرجع عزوف الاحزاب والفصائل عن المشاركة في هذه الانتخابات في المقام الاول للقرار بقانون الصادر عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية ، والذي تضمن عدة تغييرات ، أبرزها بندٍ يلزم مرشحي القوائم الانتخابية بتقديم إقرار يؤكد التزامهم ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية، والتزاماتها بقرارات الشرعية الدولية. وهو ما رفضته أحزاب الجبهة الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب وحزب فدا اضافة الى مقاطعة حركتي حماس والجهاد الاسلامي والمبادرة الوطنية الفلسطينية ، كل ذلك أدى الى تراجع سيطرة الفصائل والاحزاب على سير العملية الانتخابية وأفسح المجال للعشائر الفلسطينية المختلفة لتحل مكانها في قيادة هذه العملية.
وأكد الناطق الرسمي باسم لجنة الانتخابات المركزية فريد طعم الله في حديث خاص لمراسل “عرب سكاي” في رام الله أن هناك تراجع واضح وكبير في دور الفصائل والاحزاب السياسية الفلسطينية في هذه الانتخابات تحديدا أكثر من سابقاتها ، وأوضح طعم الله أن المعطيات التي لدى لجنة الانتخابات المركزية تشير الى أن 87% من القوائم المرشحة للانتخابات البلدية في فلسطين كافة في انتخابات 2026 هي قوائم عشائرية تحت مسمى “مستقلة” ، وأن 13% فقط هي القوائم المنضوية تحت اطار حزبي وفصائلي , وهذا يدل على تراجع هائل وواضح وكبير في دور الاحزاب السياسية والفصائل الوطنية والاسلامية في فلسطين في هذه الانتخابات.
ويرجع الخبير في شؤون الانتخابات أشرف عكة تراجع دور الاحزاب السياسية والفصائل الفلسطينية في سير العملية الانتخابية والتحكم بمجرياتها اضافة للتعديل القانوني الخاص بشرط الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ايضا الى محاولة السيطرة على نتائج الانتخابات من قبل السلطة الفلسطينية وقوى اجتماعية معينة والتدخل في التحالفات عبر فرض قائمة انتخابية واحدة في بعض التجمعات والمجالس والهيئات المحلية المختلفة ومن خلال قوائم التزكية وهي عامل رئيسي لتراجع نسبة المشاركة في هذه الانتخابات ، ويضيف عكة لمراسل “عرب سكاي” برام الله أن الشارع والجمهور الفلسطيني فقد ثقته بهذه الفصائل والاحزاب لعدة أسباب منها الفساد في هياكلها التنظيمية ، وبعدها عن الشارع وهمومه اليومية ، وعدم تبنيها لبرامج نضالية تحررية لمواجهة سياسات الاحتلال ومستوطنيه ، وسيطرة الفرد الواحد على قراراتها التنظيمية ، وتحويل المجالس والهيئات المحلية الى ساحة مناكفة سياسية وتغييب دورها الخدماتي والتنموي الذي يمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر وغياب البرامج الانتخابية الواقعية من قبل المرشحين والقوائم الانتخابية للفصائل واعتمادها على الشعارات الوطنية الفضفاضة .
بدوره أكد الدكتور سليمان جرادات استاذ علم الاجتماعي السياسي بالجامعات الفلسطينية في حديث لمراسل “سكاي عربي” أن الفراغ السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والفكري والتعبوي الذي تركته الاحزاب السياسية والفصائل الوطنية والاسلامية المختلفة على الساحة الفلسطينية قامت العشائر والعائلات بتعبئته. ومن هنا أخذت التحالفات العشائرية تملأ الفراغ، لتتحول من إطار اجتماعي تقليدي إلى فاعل انتخابي مؤثر، بل وحاسم في كثير من الأحيان لأن العشيرة، في أصلها، بنية تضامن اجتماعي تحفظ السلم الأهلي وتدير التوازنات داخل المجتمع، لكنها حين تنتقل إلى المجال الانتخابي دون ضوابط، فإنها تعيد تشكيل العملية الديمقراطية وفق اعتبارات القرابة والنفوذ، لا وفق البرامج والكفاءة. وهنا تكمن الإشكالية: ليس في وجود العشيرة بحد ذاتها ، بل في غياب دور القوى السياسية المنظم الذي يستطيع أن يقدّم مشروعا وطنيا جامعًا يستند إلى الوعي والبرامج لا إلى العصبية وفي ظل هذا الفراغ، وجدت العشيرة مساحة للتمدد، ليس فقط بوصفها هوية، بل كأداة تنظيم وحشد انتخابي .
لذا فان التحالفات العشائرية في الانتخابات المحلية غالبًا ما تقوم على منطق التوافق وتقاسم النفوذ، ما يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها التنافسي، ويحولها إلى ترتيبات مسبقة ، وهذا ينعكس سلبًا على جودة المجالس المحلية المنتخبة ، حيث تغيب معايير الكفاءة والخبرة عنها ، لصالح معايير الانتماء والولاء ، كما يحدّ ذلك من إمكانية المساءلة والمحاسبة، لأن العلاقات العشائرية تميل إلى الحماية والتغطية أكثر من النقد والتقويم . في المقابل لا يمكن إغفال أن العشيرة لعبت ولا تزال دورًا مهمًا في حفظ النسيج الاجتماعي، خاصة في ظل ضعف المؤسسات الرسمية وتآكل الثقة بها ، لكنها ليست بديلاً عن الدولة، ولا عن الأحزاب والفصائل الفلسطينية ، ولا ينبغي أن تتحول إلى إطار سياسي بديل و المطلوب هو إعادة ضبط العلاقة بين الاجتماعي والسياسي في نهاية المطاف .

