عرب سكاي – رجا طلب
الصورة التي نشرها دونالد ترامب والتى تظهره بمظهر السيد المسيح ، ثم اضطر إلى حذفها تحت ضغط الغضب العام، ليست مجرد نزوة بصرية عابرة، بل هي نافذة كاشفة على بنية نفسية وسياسية متراكمة، تتداخل فيها النرجسية بفائض القوة، ويختلط فيها الشعور بالتفوق مع استخفاف خطير بالعالم ومن فيه.
في تلك الصورة، لا يظهر ترامب كرئيس دولة، بل ككائن ” مخلّص” يمارس فعل الشفاء، محاطًا بهالة شبه دينية، بينما تتراكم حوله رموز القوة الأمريكية من طائرات حربية وأعلام ونسور. هذه الصورة هي تعبير دقيق عن رؤية ذاتية تضخمت إلى حدّ الانفصال عن الواقع.
منذ عودته إلى السلطة، يتصرف ترامب كزعيم لا تحكمه المؤسسات، بل إرادته الشخصية ، وخلال المواجهة الأخيرة مع إيران، بدا واضحًا أنه يتعامل مع الحرب ليست كملف استراتيجي معقد، بل كـ ” عرض قوة ” شخصي.
وترامب وفي أكثر من مناسبة، لوّح باستخدام القوة القصوى دون حساب دقيق للتبعات، وكأن العالم مجرد مسرح لإثبات تفوقه، لا شبكة مصالح متشابكة قد تنفجر في وجه الجميع.
هذا السلوك يعيد إلى الأذهان نمطًا ثابتًا في شخصية ترامب: قرارات مفاجئة ، تصعيد لفظي غير محسوب ، تحويل الأزمات إلى أدوات استعراض، وهو ما ظهر بوضوح في تهديداته المتكررة بشأن السيطرة على مضيق هرمز، وكأن هذا الممر الحيوي ليس شريانًا دوليًا معقدًا، بل ورقة ضغط شخصية في يد رئيس يبحث عن انتصار إعلامي.
الأخطر من ذلك، أن هذه الذهنية لا تقتصر على الخصوم، بل تمتد إلى الحلفاء أيضًا.
ففكرة شراء أو السيطرة على ” غرينلاند ” لم تكن مجرد مزحة سياسية، بل تعبيرًا صريحًا عن عقلية ترى العالم كصفقة، والشعوب كأصول قابلة للتفاوض.
في هذا السياق، لا يعود مستغربًا أن يتعامل ترامب مع الشرق الأوسط، بما فيه مضيق هرمز، بذات المنطق: من يسيطر يربح، ومن يعارض يُهمّش أو يُهدد.
لكن ما يضفي بعدًا أكثر خطورة على هذه الشخصية، هو تأثير الدائرة المحيطة به، وخاصة علاقته مع العرافة ” بولا وايت ” هذه الشخصية ” الدينية ” المثيرة للجدل والتى لعبت دورًا في تعزيز قناعة ترامب بأنه ” مختار” أو ” مفوض” من السماء بمهمة كبرى، وهي فكرة تجد صداها بوضوح في الصورة التي نشرها ، ماذا يعنى هذا ؟؟
يعنى بوضوح انه حين يقتنع زعيم سياسي بأنه ليس مجرد رئيس او زعيم سياسي ، بل صاحب رسالة فوق البشرية، فإن كل ضوابط العقل السياسي تبدأ في التآكل: القرار يصبح ” إلهامًا” لا حسابًا ، الحرب تتحول إلى ” قدر” لا خيارًا والمعارضة تُصنّف كعقبة في وجه ” مهمة كبرى”.
الصورة إذًا ليست مجرد استفزاز ديني، بل انعكاس صريح لرجل يرى نفسه أكبر من منصبه، وفوق النقد، وأقرب إلى الأسطورة منه إلى الواقع.
وفي زمن تتقاطع فيه الحروب مع الأزمات الاقتصادية، وتتشابك فيه خطوط الطاقة مع الأمن العالمي، فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه العالم ليس فقط زعيمًا قويًا، بل زعيمًا يعتقد أنه فوق البشر.
ما كشفته هذه الصورة، وما تؤكده ممارسات ترامب في أزماته الأخيرة، هو أن المشكلة ليست في سياساته فحسب، بل في تصوره لذاته.
رئيس لا يرى نفسه لاعبًا بين لاعبين، بل محورًا تدور حوله الأحداث.

