عرب سكاي – رزان السيد
بعد أيام من إبرام اتفاق هدنة لوقف المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، سرعان ما تراجع منسوب التهدئة على الأرض، مع تصاعد لافت في وتيرة القصف الإسرائيلي على لبنان، في تطور أعاد خلط الأوراق الميدانية، وفي خضم هذا التصعيد، اتجهت طهران إلى خطوة تصعيدية بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة، في رسالة مباشرة تعكس رفضها للمعادلة القائمة، وتؤكد أن مسار التهدئة لا يمكن فصله عن مجريات المواجهة في الساحات المرتبطة بها.
هذا التداخل بين الجبهات، واستمرار العمليات العسكرية رغم الهدنة، يعكس واقعا ميدانيا، إذ تتحول التفاهمات المؤقتة إلى أدوات ضغط متبادلة، فيما تبقى احتمالات الانفجار قائمة مع كل تصعيد جديد، وسط غياب اتفاق شامل يعالج جذور الأزمة ويمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.
وفي تفكيك هذا المشهد، يطرح المحلل السياسي والعسكري الدكتور عمر الرداد، والخبير العسكري اللواء المتقاعد هلال الخوالدة، قراءتين تتقاطعان في توصيف هشاشة الهدنة، لكنهما تتناولان تفاصيل المشهد من زوايا متصلة.
الرداد: إيران لن تغامر بإغلاق مضيق هرمز من أجل حزب الله

الخوالدة: الهدنة هشة .. وأي احتكاك قد يشعل مواجهة أوسع

الدكتور عمر الرداد يرى أن الحديث عن محاولة إيران الضغط عبر إغلاق مضيق هرمز مقابل وقف الحرب الإسرائيلية على حزب الله، لا يعكس الصورة الدقيقة لما يجري على الأرض، ويوضح أن ما يتم تداوله بشأن صفقة شاملة بين طهران وواشنطن، بما تتضمنه من بنود متعددة، يتعرض إلى تلاعب وتضليل إعلامي من كلا الطرفين، مشيرا إلى وجود روايات متباينة حول تفاصيل الاتفاق، بعضها باللغة الفارسية وأخرى بالإنجليزية، ما يفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة.
وفي السياق ذاته، يلفت اللواء المتقاعد هلال الخوالدة إلى أن الهدنة القائمة في المنطقة، في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، تبدو أقرب إلى استراحة تكتيكية منها إلى اتفاق مستدام، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية على الساحة اللبنانية واستثناء حزب الله من نقاط التوافق، وفق الطرح الأمريكي والإسرائيلي، رغم وروده في المسودة الأولى.
وهنا يلتقي توصيف الخوالدة مع ما يطرحه الرداد بشأن غياب صورة نهائية واضحة للاتفاق، وبقاء كثير من التفاصيل محل تجاذب وتفسير متضارب.
الى ذلك، يبين الرداد أن المؤكد حتى الآن يتمثل في نقطتين أساسيتين، الأولى وقف عمليات القصف الأمريكية والإسرائيلية على إيران، والثانية الإبقاء على مضيق هرمز مفتوحا، في حين تبقى ملفات أخرى، مثل البرنامج النووي الإيراني ودعم الحلفاء الإقليميين وبرنامج الصواريخ الباليستية، قضايا مؤجلة للنقاش ولم تحسم بعد، ووفي هذا الإطار، يستبعد الرداد أن يوافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطرح القائل بإغلاق مضيق هرمز مقابل وقف الحرب في لبنان، لافتا إلى أن التصريحات الأمريكية الأخيرة لم تتضمن أي إشارة إلى ربط الاتفاق بملف حزب الله.
ومن زاوية ميدانية أوسع، يشير الخوالدة إلى أن هشاشة الهدنة ترتبط بشكل مباشر بتداخل الجبهات، موضحا أن أي تهدئة حقيقية تبقى مرهونة بوقف كامل للعمليات العسكرية على مختلف الجبهات، لا سيما في ظل التهديدات الإيرانية بالرد وإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة، رغم الاتفاق المؤقت على إبقائه مفتوحا لمدة أسبوعين، ويضيف أن استمرار القتال يبقي احتمالات التصعيد قائمة، خصوصا من الجانب الأمريكي الذي حافظ على وجوده العسكري في محيط إيران، ما يعكس استعدادا لأي تطورات ميدانية محتملة.
وعند العودة إلى ملف مضيق هرمز، يرجح الرداد أنه حتى في حال إغلاق المضيق، فإن ذلك سيكون لفترة محدودة جدا، وفي إطار رسالة إعلامية موجهة للداخل الإيراني، تهدف إلى إظهار قدرة طهران على التحكم بمسار التصعيد، ويشدد على أن إيران لن تغامر بإغلاق المضيق أو تنفيذ خطوات تصعيدية كبرى من أجل حزب الله أو أي من حلفائها، مؤكدا أن حسابات طهران في هذه المرحلة تبقى محكومة بتوازنات أوسع تتجاوز الساحة اللبنانية.
وفي موازاة ذلك، يعتبر الخوالدة أن التهدئة تستخدم كأداة ضغط سياسية أكثر من كونها نهاية للصراع، حيث يسعى كل طرف إلى فرض معادلات جديدة على الأرض دون الانزلاق إلى حرب شاملة، الأمر الذي يعقد فرص تثبيت الهدنة، ويرجح وجود تفاهمات غير معلنة بين الأطراف، بعيدا عما يطرح في الإعلام، إلا أن استمرار العمليات العسكرية يضعف أي مسار تهدئة، ويبقي المنطقة في حالة توتر مفتوح، قد يتحول فيه أي احتكاك ميداني محدود إلى مواجهة أوسع.
وفي استكمال لصورة المشهد، يلفت الخوالدة إلى أن الهدنة الحالية، حتى في حال تثبيتها عبر المفاوضات غير المباشرة في إسلام آباد، خصوصا فيما يتعلق بالقضايا الخلافية مثل الملف النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ بعيدة المدى، ودور الأذرع الإقليمية، إضافة إلى ملف مضيق هرمز، ستبقى هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة، ما لم يتم التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار يعالج جذور التصعيد، ويؤكد أن بنيامين نتنياهو سيبقى متمسكا بإنهاء تهديد حزب الله، بغض النظر عن مآلات الهدنة أو نتائجها.
ويبقى المشهد محكوما بتقديرات متقاطعة، فـ الرداد يركز على أن ما يثار حول صفقة شاملة ما زال عرضة للتضليل والتفسيرات المتباينة، وأن إيران لا تبدو في وارد الذهاب إلى مغامرة كبرى من أجل حزب الله، والخوالدة يركز على أن الهدنة نفسها هشة، وأن استمرار القتال وتداخل الجبهات والملفات الخلافية الكبرى، كلها عوامل تبقي المنطقة في حالة توتر مفتوح، وتجعل أي تصعيد جديد قابلا لتوسيع رقعة المواجهة، ورغم اختلاف زاوية المقاربة بينهما، يتفقان على أن المنطقة لم تدخل مرحلة استقرار، بل ما تزال تدور داخل هدنة هشة تحكمها موازين ردع مؤقتة.

