عرب سكاي – في مطلع العام 2013، وبينما كان الجدل حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا يزال مجرد “فكرة انتحارية” في نظر الكثيرين، نشرت مجلة “لكسبريس” الفرنسية تقريراً استشرافياً حمل عنواناً بدا حينها مبالغاً فيه: “ماذا سيحل بأوروبا في حال انفصال ألبايون؟”.
اليوم، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على تلك التوقعات، وثلاث سنوات على التطبيق الكامل للانفصال، تبدو كلمات الصحفية كريستين كيرديلان وكأنها كُتبت من المستقبل؛ حيث تحولت “النبوءات السوداء” التي رُفضت حينها إلى واقع اقتصادي وجيوسياسي مرير تعيشه المملكة المتحدة اليوم.
واستند مقال العام 2013 إلى رؤية ثاقبة حذرت من أن خروج لندن لن يكون مجرد “طلاق إداري”، بل زلزال سيؤدي إلى خسارة بريطانيا لنفوذها كـ “جسر” بين ضفتي الأطلسي.
وبالعودة إلى الأرقام الحديثة لعام 2026، نجد أن الاقتصاد البريطاني انكمش بنسبة تتراوح بين (6-8)%، مقارنة بما كان يمكن أن يكون عليه لولا البريكست، وهو ما يطابق تحذيرات المقال التي أشارت إلى أن الشركات البريطانية ستدفع “ثمناً باهظاً” مقابل عزل نفسها عن أكبر سوق موحد في العالم.
“المدينة المالية” والنزوح نحو القارة
كانت إحدى أكثر النقاط دقة في المقال هي التحذير من تراجع “حي المال” في لندن لصالح باريس وفرانكفورت، ففي العام 2013، كان من الصعب تخيل اهتزاز عرش لندن المالي، لكن المقال جزم بأن “أجزاء كاملة من النشاط المالي ستنزح نحو القارة”.
وبحسب تقارير “فاينانشال تايمز” و”رويترز” لعام 2026، فقدت لندن بالفعل صدارتها كأكبر مركز مالي في أوروبا لصالح باريس من حيث القيمة السوقية، بينما انتقلت آلاف الوظائف ومليارات اليورو من الأصول إلى المراكز المالية الأوروبية، تماماً كما توقع التحليل الفرنسي قبل 13 عاماً.
ولم يتوقف المقال عند الجانب المالي، بل غاص في “المأساة المزدوجة” التي ستصيب السياسة الخارجية البريطانية، حيث نقلت “لكسبريس” عن الخبير الأمريكي تشارلز كوبشان قوله إن لندن ستخرج “تدريجياً من شاشات الرادار الأمريكية” إذا فقدت دورها كلاعب رئيسي في الاتحاد الأوروبي.
واليوم، يرى محللون في “معهد الدراسات الحكومية” بلندن أن “العلاقة الخاصة” مع واشنطن أصبحت أكثر هشاشة، حيث باتت أمريكا تركز ثقلها الدبلوماسي على برلين وباريس للتعامل مع الشؤون الأوروبية، تاركة لندن في عزلة جيوسياسية لم تكن تتوقعها.
“شبح التفكك” ودقة التوقعات الاستراتيجية
إحدى المفاجآت الصادمة في مقال 2013 كانت الإشارة إلى أن مجرد التفكير في الاستفتاء قد يؤدي إلى “انفجار المملكة المتحدة”، فقد تنبأ بأن النزعة الاستقلالية في اسكتلندا ستنتعش بقوة لأن الاسكتلنديين يفضلون البقاء في الحضن الأوروبي.
وبالنظر إلى المشهد السياسي الحالي في عام 2026، لا يزال التوتر بين إدنبرة ولندن في ذروته، حيث تظل قضية “العودة إلى أوروبا” المحرك الرئيسي للمطالبة باستفتاء جديد للاستقلال، مما يثبت أن التحليل الفرنسي لم يكن اقتصادياً فحسب، بل كان يقرأ بعمق في التصدعات البنيوية للدولة البريطانية.
وتخلص القراءة المتأنية لمقال “لكسبريس” إلى أن “الهدوء الذي تم شراؤه بثمن باهظ” (وهو خروج بريطانيا) قد كسر “محظورات” التوسع الأوروبي وأعطى أفكاراً لتيارات أخرى، لكنه في المقابل أثبت أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس بالسيادة المنفردة بل بالقدرة على التكتل.
وتظل دقة المقال، الذي نُشر قبل ثلاث سنوات من الاستفتاء وعشر سنوات من تبلور النتائج، شهادة تاريخية على أن “التحذيرات التي لم يصدقها أحد”، وكانت هي الحقيقة الوحيدة التي كان ينبغي الإصغاء إليها قبل القفز في المجهول.

