ذات صلة

الأكثر قراءة

مخزون مطمئن وتحديات قادمة .. الأمن الغذائي في الأردن في ظل تصعيد المنطقة

عرب سكاي – رزان السيد

مع تصاعد التوتر العسكري بين إيران و”إسرائيل”، تعود قضية الأمن الغذائي إلى صدارة النقاشات الاقتصادية في المنطقة، خصوصاً في الدول التي تعتمد على الاستيراد لتأمين جزء كبير من احتياجاتها الغذائية، وتشير تقارير صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) والبنك الدولي إلى أن الصراعات الجيوسياسية غالباً ما تنعكس على أسواق الغذاء عبر اضطراب سلاسل التوريد العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، ما يؤدي إلى موجات تضخم غذائي تضغط على اقتصادات الدول المستوردة.

ويعد الأردن من الدول التي تعتمد على الاستيراد لتغطية جزء مهم من احتياجاتها الغذائية الأساسية، خصوصاً الحبوب والزيوت النباتية، وهو ما يجعل استقرار التجارة العالمية عاملاً أساسياً في استقرار السوق المحلية، ومع ذلك، تشير الدراسات الدولية إلى أن بناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية وتنويع مصادر الاستيراد يعدان من أهم أدوات حماية الأمن الغذائي في الدول محدودة الموارد الزراعية.

الخوالدة: المخزون الاستراتيجي يمنح الأردن قدرة على الصمود

في هذا السياق، أكد وزير الزراعة الأسبق الدكتور رضا شبلي الخوالدة أن الأردن حقق خلال السنوات الماضية تقدماً ملموساً في تعزيز منظومة الأمن الغذائي، مشيراً إلى أن الدولة عملت على تطوير أدوات مؤسسية لمتابعة هذا الملف، من بينها مجلس الأمن الغذائي والمركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، الذي يتابع بشكل مستمر مستويات المخزون الاستراتيجي واحتياجات المملكة من السلع الأساسية.

وأوضح الخوالدة خلال حديثه لـ “عرب سكاي”، أن الأردن يمتلك حالياً قدرة جيدة على الصمود في المدى القصير أمام أي اضطرابات إقليمية، بفضل المخزون المتوفر من السلع الأساسية، إلا أن استمرار التصعيد العسكري قد يفرض تحديات مرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ما يتعلق بالشحن البحري وتوريد بعض السلع الرئيسية مثل القمح والزيوت.

وأشار إلى أن أحد أبرز المخاطر المحتملة يتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، نظراً لارتباط تكاليف إنتاج الغذاء ونقله بأسعار الوقود، وهو ما قد ينعكس سريعاً على الأسعار في الأسواق المحلية، كما لفت إلى أن صغر حجم السوق الأردنية يجعلها أكثر حساسية للتقلبات السعرية العالمية مقارنة بالأسواق الكبرى.

وبين الخوالدة أن اعتماد الأردن على الاستيراد لتأمين جزء مهم من احتياجاته الغذائية قد يخلق تحديات في حال حدوث اضطرابات في حركة التجارة الدولية، خصوصاً بالنسبة للسلع التي يتم استيرادها من دول مثل روسيا وأوكرانيا ومصر، لا سيما تلك التي تصل عبر خطوط الشحن البحري.

وأكد أن من أبرز السيناريوهات المحتملة في حال استمرار التصعيد الإقليمي حدوث تأخير في وصول الشحنات أو ارتفاع في كلف النقل والتأمين البحري، وهو ما قد ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع داخل السوق المحلية.

ودعا الخوالدة إلى التركيز على دعم الإنتاج المحلي من السلع التي يمتلك الأردن قدرة على إنتاجها مثل الخضروات والفواكه والدواجن ومنتجات الألبان، إضافة إلى تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية.

كما شدد على أهمية الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية الحديثة، خصوصاً في مجالات الزراعة المحمية وإدارة الموارد المائية بكفاءة، بما يسهم في رفع الإنتاجية الزراعية وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية.

ورغم التحديات الإقليمية، رجح الخوالدة أن يبقى الوضع الغذائي في الأردن مستقراً على المدى القصير، مؤكداً أن المملكة تمتلك أدوات وإجراءات قادرة على تجنب أي أزمة غذائية في المرحلة الحالية، مع ضرورة الاستعداد لسيناريوهات طويلة المدى في حال استمرار التوترات الإقليمية أو توسعها لتشمل ممرات التجارة الدولية.

المصري: التحدي الحقيقي هو كلفة الغذاء لا توفره

من جانبه، أكد وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أن واقع الأمن الغذائي في الأردن ما يزال مطمئناً في الوقت الراهن، بفضل السياسات الاحترازية التي اتبعتها الدولة خلال السنوات الماضية في بناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية، وفي مقدمتها القمح والشعير، إضافة إلى المتابعة اليومية لحركة الأسواق وتوفر السلع الغذائية.

وأوضح المصري أن الأردن يمتلك مخزوناً استراتيجياً مريحاً من الحبوب والسلع الأساسية، كما أن الحكومة تواصل طرح عطاءات دورية لتعزيز هذا المخزون وعدم الاكتفاء بالمستويات الحالية، في إطار الاستعداد لأي اضطرابات محتملة في حركة التجارة الدولية أو سلاسل الإمداد.

وأشار في حديثه لـ “عرب سكاي”،  إلى أن التهديد المحتمل للأمن الغذائي في الأردن لا يتمثل غالباً في انقطاع الإمدادات الغذائية بشكل مباشر، بل في ارتفاع كلفة الوصول إلى الغذاء نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وكلف الشحن والتأمين البحري، وهي عوامل تؤثر في مختلف مراحل سلسلة التوريد، بدءاً من النقل الدولي وصولاً إلى التوزيع داخل السوق المحلية.

وبين المصري أن الأردن، بحكم موارده الطبيعية المحدودة، يعتمد على الاستيراد لتغطية جزء مهم من احتياجاته الغذائية، ما يجعله أكثر تأثراً بالتقلبات في الأسواق العالمية، إلا أن وجود مخزون استراتيجي، وتنوع مصادر الاستيراد، إضافة إلى الخبرة المؤسسية التي اكتسبتها الدولة في إدارة الأسواق خلال الأزمات السابقة، كلها عوامل تقلل من احتمالات حدوث أزمة غذائية حقيقية في المدى القريب.

وأكد أن من المهم التمييز بين أزمة توفر الغذاء وبين ارتفاع كلفته، مرجحاً أنه في حال استمرار التوترات الإقليمية قد يشهد العالم موجات تضخمية في أسعار الغذاء مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وليس نقصاً فعلياً في السلع الغذائية.

وأضاف أن تعزيز الأمن الغذائي في الأردن يتطلب الاستمرار في العمل على عدة مسارات متوازية، من بينها الحفاظ على مستويات مريحة من المخزون الاستراتيجي، وتوسيع تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج الزراعي المحلي في السلع التي يمتلك الأردن فيها ميزة نسبية، إضافة إلى تطوير قدرات التخزين والتصنيع الغذائي وربط سياسات الأمن الغذائي بسياسات الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد.

وختم المصري حديثه بالتأكيد أن الأردن يمتلك اليوم أدوات جيدة لتجنب أي أزمة غذائية حادة، لكنه مطالب في الوقت ذاته بمواصلة تعزيز مناعته الغذائية عبر سياسات طويلة الأمد تقلل من هشاشته أمام الأزمات الإقليمية والتقلبات العالمية، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم.