عرب سكاي – لا يزال القرار “الجدلي” الذي اتخذه وزير الصحة الأسبق بفصل اختصاص التخدير عن العناية المركزة يلقي بظلاله الثقيلة على القطاع الصحي العام، مُحدثاً سجالاً طبيّاً وقانونيّاً لم تنتهِ فصوله بعد. واليوم، ومع إعلان وزارة الصحة إعادة فتح “مستشفى عمان الميداني”، انفجرت الأسئلة المؤجلة دفعة واحدة لتضع الوزارة أمام مأزق حقيقي: من سيغطي أسِرّة العناية المركزة في وقت تعاني فيه الوزارة أصلاً من نقص حاد وشديد في الكوادر الطبية؟ ومن أين سيأتي وزير الصحة بالأطباء والممرضين لتشغيل منشأة ميدانية كاملة؟
إرث القرار القديم: فصل التخدير عن العناية المركزة
قبل سنوات، اتُخذ القرار بفصل التخدير عن العناية المركزة بهدف تنظيم الاختصاصات وتماشيًا مع بعض الأنظمة العالمية. لكن على أرض الواقع، وفور تطبيقه في مستشفيات وزارة الصحة، أحدث القرار فجوة هائلة.
أطباء التخدير كانوا — ولا يزالون في كثير من المستشفيات — هم الخط الأول والعمود الفقري لإدارة أجهزة التنفس الاصطناعي ووحدات العناية الحثيثة (ICU). بفصل الاختصاصين دون توفير بدلاء يحملون شهادة اختصاص “عناية مركزة” وبأعداد كافية، دخلت الوزارة في دوامة البحث عن “من يغطي الشفتات؟”، ليبقى المريض هو الحلقة الأضعف في هذا السجال المستمر.
معضلة مستشفى عمان الميداني: قواطع “الجبصن بورد” غابت عنها الكوادر!
جاء قرار إعادة فتح مستشفى عمان الميداني ليفرز تساؤلات مشروعة في الشارع الأردني وبين الأوساط الطبية. الأنباء والتقارير الواردة من الميدان تشير إلى أن عملية التجهيز وإعادة الفصل داخل المستشفى تمت بسرعة عبر قاعات مجهزة بقواطع من “الجبصن بورد” (Gypsum\ Board) لتقسيم المساحات، ولكن: هل الأزمة أزمة جدران وقواطع أم أزمة بشر وكفاءات؟
إن افتتاح أو إعادة تشغيل أي مستشفى ميداني يتطلب منظومة متكاملة من أطباء اختصاص، وأطباء مقيمين، وممرضي عناية حثيثة مؤهلين للتعامل مع الحالات الحرجة. وتشير المعطيات الحالية إلى مفارقة صارخة:
- بنية تحتية بلا أرواح: قاعات جصّية وأسِرّة مجهزة، يقابلها عجز واضح في تأمين الكوادر الطبية المشغّلة.
- استنزاف المستشفيات الحكومية: المحاولات المتوقعة لـ “تغطية” النقص في المستشفى الميداني عبر سحب أطباء وممرضين من مستشفيات البشير، أو حمزة، أو مستشفيات الأطراف، ستؤدي حتماً إلى تفريغ تلك المستشفيات (التي تعاني أساساً) وتعميق الأزمة هناك.
من أين سيأتي الوزير بالكوادر؟
يواجه وزير الصحة الحالي تركة ثقيلة وسؤالاً تفوح منه رائحة خطورة الموقف: كيف ستدار غرف العناية المركزة في عمان الميداني؟
خيارات الوزارة تبدو ضيقة ومعقدة:
- الاعتماد على أطباء التخدير مجدداً: وهو ما يعني القفز فوق قرار الفصل القديم بطرق تلتف على الواقع لإجبارهم على التغطية، وسط رفض واسع من أطباء التخدير الذين يطالبون بتحديد واضح للمسؤوليات الطبية والقانونية.
- شراء الخدمات: وهي كلفة مالية باهظة قد لا تتحملها ميزانية الوزارة بشكل مستدام، ناهيك عن شح اختصاصيي العناية المركزة في القطاع الخاص نفسه.
- التجيير والنقل التعسفي: نقل كوادر غير مؤهلة تأهيلاً كافياً لإدارة العناية المركزة، مما يرفع من مؤشرات الخطر على حياة المرضى.
الخلاصة: المرضى ليسوا حقل تجارب للقرارات الإدارية
إن السجال الدائر اليوم بين نقابة الأطباء، وجمعيات الاختصاص، ووزارة الصحة حول “من يغطي العناية المركزة” يجب أن ينتهي فوراً بقرارات حاسمة وعملية. إن إعادة تشغيل مستشفى عمان الميداني بقواطع “الجبصن بورد” دون خطة بشرية واضحة ومدروسة لتوفير الكوادر، هو هروب إلى الأمام واستعراض لإنشاءات هندسية على حساب الجودة الطبية.
على وزارة الصحة تدارك الموقف؛ فإما إلغاء تجميد أو تعديل قرار الفصل بما يتوافق مع الإمكانيات البشرية المتاحة للوزارة، أو ضخ دماء جديدة والتعاقد الفوري مع كوادر مؤهلة، لأن أسِرّة العناية المركزة لا تحتمل “الارتجال”، وحياة الأردنيين ليست مساحة للمناورة الإدارية.
الكاتب المحامي عاصم الكفاوين – محامي و مستشار قانوني

