عرب سكاي – محمود الفروخ
رام الله – تعاني السلطة الفلسطينية من أزمات متلاحقة خلال السنوات الماضية، نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية المعقدة التي تمر بها، لا سيما عقب الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023، المعروفة بـ”طوفان الأقصى”، وقد تفاقمت هذه الأزمات مع فرض حصار مالي واقتصادي مشدد من قبل حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة، التي تولت السلطة في إسرائيل في التاسع من ديسمبر 2022، واتخذت من عملية “طوفان الأقصى” ذريعة لتشديد الإجراءات العقابية والقيود المالية بحق السلطة الفلسطينية.
وفي هذا السياق، أقدمت إسرائيل على احتجاز ومصادرة ما يعرف بـ”أموال المقاصة”، وهي الإيرادات الضريبية والرسوم الجمركية المفروضة على السلع المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية أو العابرة عبر إسرائيل والمعابر الحدودية، وذلك بموجب اتفاقية أوسلو، وتقوم وزارة المالية الإسرائيلية بجباية هذه الأموال شهريا نيابة عن السلطة الفلسطينية، قبل تحويلها إلى خزينة وزارة المالية الفلسطينية.
إلا أن احتجاز هذه الأموال تحت ذرائع أمنية، أدى إلى خلل كبير في قدرة السلطة الفلسطينية على أداء وظائفها الأساسية، إذ تعذر دفع رواتب مئات آلاف الموظفين بشكل منتظم، وتراجعت القدرة على تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والأمنية، إضافة إلى خدمات الحكم المحلي والقضاء، ويأتي ذلك في ظل نقص حاد في السيولة داخل خزينة وزارة المالية، ما يضع مؤسسات السلطة الفلسطينية بكامل هياكلها أمام خطر حقيقي يتمثل في الوصول إلى حافة الانهيار.

ديون السلطة الفلسطينية تقترب من 15.5 مليار دولار وسط تفاقم الأزمة المالية
في هذا الإطار، أوضح الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الاقتصادي، أيهم أبو غوش، في حديثه لـ”عرب سكاي”، أن السلطة الفلسطينية تواجه أزمة مالية حادة تهدد استمراريتها، في ظل وصول حجم الدين العام إلى نحو 15.5 مليار دولار. وأشار إلى أن نحو ثلثي إيرادات السلطة يعتمد على أموال المقاصة التي تحتجزها إسرائيل منذ قرابة عام دون تحويلها، ما أدى إلى عجزها عن الوفاء بالتزاماتها المالية.
وبيّن أبو غوش، أن الإيرادات المحلية لا تغطي أكثر من ربع النفقات في أفضل الأحوال، ما دفع السلطة إلى اللجوء للاقتراض من البنوك وصناديق عامة لسد العجز، إلا أن هذه الخيارات باتت محدودة بعد استنفادها، وحذّر من أن استمرار هذا الوضع، دون الإفراج عن أموال المقاصة أو إيجاد مصادر تمويل بديلة، يبقي خطر الانهيار الشامل للسلطة الفلسطينية قائماً وبقوة.

إجراءات إسرائيل تشبه تغيير الحمض النووي للنظام
وقدّر الخبير والباحث الاقتصادي، مؤيد عفانة، أن ما تقوم به إسرائيل من خنق اقتصادي محكم للسلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، يرتبط بأفكار أيديولوجية إسرائيلية ترى في قيام دولة فلسطينية تهديدًا لما تعتبره حلم “دولة إسرائيل” على كامل الأراضي الفلسطينية، خاصة أن هذه الأيديولوجيا تستند إلى روايات دينية، بمعزل عن مدى صحتها.
وأشار عفانة في حديثه لـ “عرب سكاي”، إلى أن إسرائيل تعتمد استراتيجية الخنق الاقتصادي لتقويض الكيانية الفلسطينية، عبر جملة من الأدوات، من بينها احتجاز كامل إيرادات المقاصة، والتهديد المستمر بقطع العلاقات البنكية، وخلق أزمة تكدس الشيكل، ومنع العمال الفلسطينيين من العودة إلى أعمالهم داخل الخط الأخضر، واتباع سياسة “البوابات المغلقة”، إضافة إلى إطلاق العنان للمستوطنين اليهود المتطرفين في الضفة الغربية، وفرض سيطرة متسارعة وصامتة في آن واحد على المناطق المصنفة (ج)، وغيرها من الإجراءات.
كما لفت إلى أن هذه السياسات تتقاطع مع ما وصفه وزير المالية الإسرائيلي والوزير في وزارة الجيش، بتسلئيل سموتريتش، بأنها “تغييرات تشبه تغيير الحمض النووي للنظام”، بحيث تكون بطيئة، مستدامة، وغير قابلة للتراجع.
وأوضح عفانة أن الهدف من هذه الإجراءات الاقتصادية لا يقتصر على إنهاء السلطة الفلسطينية فحسب، بل يتعداه إلى إظهارها بمظهر العاجز عن تلبية مطالب الشعب الفلسطيني واحتياجاته المعيشية، وتصويرها كجهة غير قادرة على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، مؤكدا أنه يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني عبر الخنق الاقتصادي، بما يسهم في تفتيت فكرة الكيانية الفلسطينية والهوية الوطنية الجامعة، لصالح الفردانية وتعزيز مفهوم “الخلاص الفردي”.
وبيّن أن هذا التوجه تعززه ممارسات الإدارة المدنية الإسرائيلية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، إلى جانب سياسات “المنسق” التي تمتد لتشمل مختلف فئات الشعب الفلسطيني.
وأكد عفانة أن السلطة الفلسطينية تواجه فعليا أزمة مالية حادة تعد الأشد منذ تأسيسها، في ظل فقدانها نحو 68% من إيراداتها نتيجة احتجاز أموال المقاصة، إلى جانب الإجراءات الإسرائيلية الأخرى التي تستنزف مواردها المالية، مرجحا عدم حدوث انهيار اقتصادي ومالي كامل في الوقت الراهن، بل الإبقاء على حالة من الإنهاك الشديد القابل للانهيار في أي لحظة، وفق ما تريده إسرائيل، كما أن استمرار هذا النهج يؤدي إلى تراكم كمي في الأزمات المالية، بما يفضي إلى تحول نوعي يعيد تشكيل بنية ووظيفة السلطة الفلسطينية، من كيان وطني جامع إلى سلطة خدماتية ضعيفة.
الحكومة الفلسطينية تحتاج شهريا إلى ما لا يقل عن مليار و300 مليون شيكل
وكانت الحكومة الفلسطينية قد حذرت، خلال جلستها الأخيرة في رام الله، من تفاقم الأزمة التي تعانيها الخزينة العامة نتيجة استمرار إسرائيل في احتجاز أموال الضرائب الفلسطينية، وقال مدير مركز الاتصال في الحكومة الفلسطينية، محمد أبو الرب، خلال الجلسة، إن إجمالي المبالغ المحتجزة لدى إسرائيل وصل إلى مستوى قياسي يقدر بنحو أكثر من 14 مليار شيكل، مؤكدا أن الاحتجاز الإسرائيلي يلقي بظلال ثقيلة على قدرة الحكومة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الموظفين والقطاعات الحيوية.
وأضاف أبو الرب أن الحكومة الفلسطينية تحتاج شهريا إلى ما لا يقل عن مليار و300 مليون شيكل لتغطية فاتورة الرواتب والنفقات التشغيلية الضرورية، وهو مبلغ يفوق الإمكانيات المتاحة في ظل القرصنة الإسرائيلية للأموال، مشيرا الى أن الجانب الفلسطيني يجري اتصالات مع أطراف دولية وعربية لتأمين شبكة أمان مالية، إلا أن الدعم الذي وصل حتى الآن لا يزال جزئيا ولا يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الفعلية، ما يضع المؤسسات الفلسطينية أمام تحد حقيقي يتمثل في الحفاظ على صمودها ومنع انهيار الخدمات الأساسية، ولو بالحد الأدنى.

