ذات صلة

الأكثر قراءة

دراسة: مستخدمو أبل أكثر ولاء لهواتف آيفون على عكس عملاء أندرويد

عرب سكاي -أطلقت شركة أبل صانعة أجهزة الكمبيوتر، هاتف آيفون...

استشهاد فلسطيني برصاص الاحتلال جنوب غزة

عرب سكاي -استشهد فلسطيني مساء اليوم السبت برصاص الاحتلال...

أزمة عائلية علنية: ابنة علي الحجار تثير الجدل بتصريحات حادة

عرب سكاي -انتشر مقطع فيديو بشكل واسع عبر منصات...

ترامب: لا يمكن لإيران ابتزاز أميركا

عرب سكاي -اكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن إيران...

الهند تؤكد تعرض سفينتين ترفعان علمها لهجوم في مضيق هرمز

عرب سكاي -أكدت وزارة الخارجية الهندية ​في بيان تعرض...

قراءة منهجية في ألوان العلم الأردني

عرب سكاي – إعداد الباحث الصحفي خليل النظامي

توضيح علمي منهجي لحديث الشيخ محمد نوح القضاة حول ألوان علم الأردن وعلاقتها بملابس سيد البشرية محمد صل الله عليه وسلم وفق ما نشرته وسائل الإعلام، مع إظهار وتفنيد بعض الحقائق وفقا للمصادر التاريخية،،،

يمثل علم الأردن نموذجا رمزيا تشكل عبر طبقات زمنية متعاقبة، اذ تبدأ هذه الطبقات من المرويات النبوية المتعلقة بألوان اللباس، ثم تنتقل إلى مرحلة الدول الإسلامية التي حولت اللون إلى شعار سياسي، ثم تنتهي إلى العصر الحديث حين أعادت الدولة الأردنية بناء هذه الألوان داخل سردية وطنية وقومية.

لذلك يقتضي التحليل العلمي التمييز بين الديني والسياسي والوطني، ثم بيان مواضع التداخل بينها.

وتؤكد المصادر أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يلتزم لونا واحدا في لباسه،، فقد روى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في صحيح البخاري، والإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري في صحيح مسلم، روايات تثبت لبسه الأبيض، كما تثبت رؤيته في حلة حمراء، وفي ثوبين أخضرين، وكذلك في عمامة سوداء.

وقد شرح أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري هذه الروايات، وبيّن أن اختلاف الألوان يعكس ما كان متاحا ومألوفا في المجتمع العربي، ولا يدل على اعتماد لون واحد بوصفه شعارا لازما.

كما أكد يحيى بن شرف النووي في كتابه المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج أن النصوص الصحيحة تفيد استحباب البياض، دون أن تنفي مشروعية سائر الألوان التي ثبت لبسها.

وبذلك يظهر أن اللون في المرحلة النبوية ظل في نطاق اللباس والعرف، ولم يتحول بعد إلى رمز سياسي أو هوياتي.

هذا الوضع تغيّر مع تطور الصراع على السلطة في التاريخ الإسلامي،، فقد تحولت الألوان من مجرد خصائص مادية للثوب أو الراية إلى علامات سياسية تحمل دلالات الشرعية والانتماء، ويعد اللون الأسود أوضح مثال على ذلك.

فقد ذكر محمد بن جرير الطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك أن الدعوة العباسية رفعت الرايات السود في خراسان عند انطلاق الثورة على الحكم الأموي، وأن هذا اللون ارتبط منذ ذلك الوقت بالحشد السياسي وبخطاب الثورة.

وأشار علي بن الحسين المسعودي في مروج الذهب ومعادن الجوهر إلى أن السواد أصبح لاحقا علامة رسمية للدولة العباسية، وظهر في اللباس والبروتوكول والشارات العامة.

وتؤكد الدراسات الحديثة هذا المعنى، إذ يوضح كتاب تاريخ الإسلام في كامبردج أن اللون الأسود لم يكن مجرد اختيار بصري، بل كان جزءا من بناء الشرعية العباسية في مواجهة الأمويين.

في المقابل، ارتبطت الدولة الأموية باللون الأبيض، وتذكر دائرة المعارف الإسلامية الصادرة عن دار بريل أن الأبيض كان اللون السلالي والسياسي للأمويين، وأنه تحول في الذاكرة الإسلامية إلى علامة مقابلة للسواد العباسي.

ويذهب يوليوس فلهوزن في كتابه الدولة العربية وسقوطها إلى أن هذا التقابل بين الأبيض والأسود لم يكن مجرد تباين في الأعلام، بل كان جزءا من تمثيل الصراع بين سلطتين كبيرتين، لكل منهما شرعيتها ورمزيتها.

ويكشف هذا التحول أن اللون دخل مبكرا في تكوين المخيال السياسي الإسلامي، وصار يؤدي وظيفة التمييز بين الدول والتيارات.

أما الفاطميون، فإن مسألة لونهم الرسمي تحتاج إلى تدقيق،،، فالشائع في كثير من الأدبيات الحديثة أن اللون الأخضر هو اللون الفاطمي، غير أن المصادر التاريخية الأوثق تشير إلى أن الأبيض كان لونهم الرسمي الأقرب إلى الثبوت.

وقد أشار عبد الرحمن بن خلدون في المقدمة إلى أن الدول تتخذ ألوانا وشعارات تميز سلطانها، وأن الفاطميين تبنوا الأبيض في سياق منازعة العباسيين والتمييز عن سوادهم.

وتدعم هذا الاتجاه دراسات حديثة مثل كتاب الفاطميون وتقاليد التعلم لسميرة الشيخ، الذي يبين أن اللون الأبيض كان جزءا من تمثيل الدولة الفاطمية لنفسها بوصفها خلافة بديلة ومنافسة.

أما صلة الفاطميين بالأخضر، فتظهر أكثر في الأدبيات المتأخرة وفي الذاكرة الرمزية الشعبية، وخاصة حين يقترن اللون الأخضر بآل البيت أو بالرموز الدينية، لكنها لا تبدو بنفس قوة اللون الأبيض من حيث الثبوت التاريخي المباشر.

ولا يقتصر حضور الألوان على المجال السياسي وحده، بل يمتد إلى الأدب والذاكرة الثقافية العربية،، ففي الشعر العربي الوسيط برزت الألوان الأربعة، الأبيض والأسود والأخضر والأحمر، بوصفها حوامل للمعاني المرتبطة بالحرب والمجد والخصب والنسب.

ويعد صفي الدين الحلي من أبرز من جمع هذه الألوان في بيت شعري صار لاحقا جزءا من التفسير الحديث لما يسمى بالألوان العربية.

ويكشف ديوان صفي الدين أن الألوان لم تكن مجرد وصف مادي، بل دخلت في بناء صورة الجماعة ومفاخرها، وهو ما جعلها قابلة للانتقال لاحقا إلى الرايات والأعلام الحديثة.

وحين نصل إلى العصر الحديث، نجد أن علم الأردن لم ينشأ مباشرة من المرويات النبوية ولا من ألوان الدول الإسلامية وحدها، بل من راية الثورة العربية الكبرى سنة 1917.

ويذكر الديوان الملكي الهاشمي في بيانه الرسمي عن العلم والنشيد الوطني أن العلم الأردني استلهم ألوانه من راية الثورة العربية الكبرى، وأن هذه الألوان فُسرت ضمن امتداد تاريخي يربط الأسود بالعباسيين وراية العقاب، والأبيض بالأمويين، والأخضر بالفاطميين، والأحمر بالهاشميين، مع دلالة النجمة البيضاء السباعية على السبع المثاني.

ويعني هذا أن الدولة الأردنية الحديثة لم تختر الألوان من فراغ، بل أعادت تركيبها داخل رواية سياسية جامعة تمزج بين التاريخ الإسلامي والشرعية الهاشمية والهوية العربية.

وتدعم الدراسات الحديثة في تاريخ الأعلام هذا الفهم، فقد أوضح ويتني سميث في كتابه الأعلام عبر العصور وفي جميع أنحاء العالم أن أعلام الدول العربية الحديثة استحضرت ما يعرف بالألوان العربية الجامعة، وأن هذه الألوان استمدت قوتها من قدرتها على الجمع بين التاريخ والسلالة والقومية.

كما بيّن فيليب روبنز في كتابه تاريخ الأردن أن العلم الأردني يحمل حمولة رمزية مزدوجة، فهو من جهة ينتمي إلى مشروع الثورة العربية الكبرى، ومن جهة أخرى يترجم شرعية الدولة الهاشمية ضمن سياق عربي أوسع.

وبذلك يصبح العلم الأردني نصا بصريا يربط الحاضر السياسي الحديث بذاكرة دينية وتاريخية ممتدة.

ومن خلال هذا التسلسل يمكن الوصول إلى نتيجة أساسية:

وهي ان ألوان علم الأردن لا تمثل امتدادا مباشرا لألوان ملابس النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لأن اللباس النبوي كان متنوعا ولم يُبنَ على مبدأ الشعار السياسي.

لكنها في الوقت نفسه لا تنفصل تماما عن الذاكرة الدينية، لأن بعض التفسيرات الرسمية ربطت بين الأسود وراية النبي، وبين الأخضر وبعض رموز اللباس النبوي،، إلا أن البنية الأساسية للعلم تظل أقرب إلى المجال السياسي والتاريخي، لأنها نشأت في إطار الثورة العربية الكبرى، ثم فُسرت ضمن صلة بالدول الإسلامية الكبرى وبالهاشميين.

وعليه،،،
فإن ألوان علم الأردن تمثل حصيلة ثلاثة مستويات متداخلة ؛ المستوى الأول ديني، ويتمثل في التعدد اللوني الثابت في الروايات النبوية مع تفضيل الأبيض.

والمستوى الثاني سياسي، ويتمثل في تحول الأسود والأبيض وغيرهما إلى شعارات للدول الإسلامية، خاصة العباسيين والأمويين والفاطميين.

والمستوى الثالث وطني حديث، ويتمثل في إعادة صياغة هذه الألوان داخل علم الدولة الأردنية، بوصفه رمزا يجمع بين الثورة العربية والشرعية الهاشمية والذاكرة الإسلامية.

وهذا التداخل هو الذي يمنح العلم الأردني كثافته الرمزية وقيمته التاريخية.

خليل_النظامي