ذات صلة

الأكثر قراءة

بيان- نتنياهو زار الإمارات سرا واجتمع مع رئيسها خلال حرب إيران

عرب سكاي - أفاد بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء...

السردية الوطنية الأردنية برؤية بحثية معاصرة

في إطار الجهود العلمية والفكرية الرامية إلى توثيق وتعزيز...

وزير الخارجية يتلقى اتصالا هاتفيا من نظيره البحريني

عرب سكاي -تلقى نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون...

منتخب الناشئين يختتم معسكره التدريبي الداخلي

عرب سكاي -اختتم المنتخب الوطني للناشئين تحت سن 15...

حين يكرَّم المعلم .. يشعر المجتمع أن المستقبل ما يزال بخير

عرب سكاي-محمد العنانزةفي زمنٍ أصبحت فيه الصورة أحيانًا أعلى...

وزير الأشغال يرحل قنبلة الـ ربع مليون دينار إلى خلفه ويترك الخزينة تحت نزيف فوائد الـ (9%)،،

الحكومة أمرت بالتنفيذ،، والمالية وجهت بالدفع،، ومستحقات المقاول حبيسة الأدراج

الكوز لـ “عرب سكاي”: شكرونا في العلن، وحجبوا حقوقنا في الأدراج، ونحن أمام حكم قضائي لا منة وزارية

عرب سكاي – تحقيق خليل النظامي

بدأت قصة التحقيق من منشور غاضب على منصة “فيسبوك” تساءلت فيه ممثلة إحدى شركات المقاولات الإنشائية السيدة رانيا الكوز، عن سبب امتناع وزارة الأشغال العامة والإسكان عن تنفيذ حكم قضائي قطعي لـ صالح الشركة، بقيمة تتجاوز 223 ألف دينار أردني، ولم يكن المنشور شكوى عابرة، فقد كشف عن ملف مالي وقضائي تتداخل فيه أحكام المحاكم مع المراسلات الحكومية، وتبرز فيه كلفة تأخير التنفيذ على الخزينة العامة، في ظل فائدة قانونية نسبتها 9% سنويا، تستمر في التراكم حتى السداد الكامل.

وتباعا تواصلت “عرب سكاي” مع السيدة الكوز لـ ألتحقق من مضمون ما نشرته، وحصلت منها على ملف موثق بـ الكتب الرسمية والمراسلات الحكومية، وقرارات قضائية تتصل بالعطاء الحكومي (رقم ش/م ف/2017/7)، الخاص بـ إنشاء وتعبيد طريق سد الأرتين وطريق ضبعان.

ومن بين الوثائق، برزت مفارقة لافتة، فـ الوزارة التي شكرت الشركة رسميا على مساندتها خلال المنخفضات الجوية، هي ذاتها الجهة التي بقيت مستحقات الشركة لديها معلقة رغم الحكم القضائي، ومن هذه المفارقة، بدأت تفاصيل القضية، وانطلقت رحلة الغوص في أروقة البيروقراطية الحكومية، لـ الكشف عن تفاصيل قضية عبثية تتصادم فيها التكريمات الاستعراضية مع حرمان الحقوق المالية المشروعة.

وفي قراءة متأنية لـ الوثائق التي حصلت عليها، تبرز مفارقة مؤلمة تختزل مشهد التناقض الإداري في أبهى صوره؛ فـ في الوقت الذي كان فيه وزير الأشغال العامة والإسكان المهندس ماهر أبو السمن، يوقع بيده كتاب شكر وشهادة تقدير رسمية موجهة لـ “شركة موسى الكوز وأولاده النظامية للمقاولات الإنشائية”، يثمن فيها ما وصفه بشراكتهم الفاعلة وجهودهم المخلصة ومساهمتهم المتميزة في مساندة الوزارة خلال المنخفضات الجوية الاستثنائية لضمان استمرارية العمل على الطرق، كانت ذات الإدارة تمتنع في الغرف المغلقة عن صرف أبسط الحقوق المالية والتعاقدية لهذه الشركة.

هذا التناقض الصارخ لا يمثل مجرد خلل في الأولويات، بل يعكس حالة من المزاجية التي تضرب بعرض الحائط أحكاما قضائية اكتسبت الدرجة القطعية من أعلى سلطة قضائية، محولة عبارات الثناء الوطنية إلى مجرد حبر على ورق لا يسد رمق شركة مقاولات تعاني من شح السيولة وتعثر الدفعات.

وبـ العودة إلى جذور النزاع القانوني الموثق في أوراق القضية، وجدت أن الأزمة تفجرت حول تفاصيل تنفيذ العطاء الحكومي رقم (ش/م ف / 2017/7)، والخاص بإنشاء وتعبيد طريق سد الأرتين وطريق ضبعان، بعد تعثر الحلول الودية، لـجأت الشركة إلى التحكيم القانوني، إذ أصدر المحكم المنفرد المحامي الأستاذ الدكتور فياض القضاة، حكما تحكيميا منهيا لـ الخصومة في السادس من تموز لعام 2022.

ولم يكن الحكم مجرد تسوية، بل كان تفنيدا رقميا دقيقا لـ كلف باهظة تكبدتها الشركة نتيجة التعطل، حيث ألزم القرار وزارة الأشغال بدفع مبالغ ضخمة شملت كلف تعطل الآليات والمعدات بقيمة 83022 دينارا، وكلف تعطل الكوادر الفنية والعمالية بواقع 35540 دينارا، والمصاريف الإدارية البالغة 26281 دينارا، كما شمل الإلزام دفع نفقات المكتب الرئيسي، ورسوم تمديد الكفالات، وأتعاب هيئة التحكيم، مضافا إليها بند في غاية الخطورة وهو الفائدة القانونية بنسبة 9% من تاريخ المطالبة وحتى السداد التام.

الخطورة البالغة في هذه القضية لا تكمن فقط في أصل المبالغ المحكوم بها، بل في ذلك البند القانوني الصارم الذي ألزم الوزارة بدفع الفائدة القانونية بنسبة 9% من تاريخ المطالبة ولحين السداد التام، هذه الفائدة، التي تتراكم يوما بعد يوم، تحولت إلى وحش مالي ينهش في جسد الخزينة العامة للدولة بسبب المماطلة غير المبررة.

ورغم أن هذا الحكم اكتسب الدرجة القطعية بموجب قرار محكمة التمييز رقم (16/ط/2022) الصادر في الثامن عشر من تشرين الأول عام 2022، ورغم صدور كتاب رسمي من رئاسة الوزراء في الرابع والعشرين من تشرين الثاني من ذات العام يوجه وزارة الأشغال بضرورة تنفيذ القرار القضائي استناداً لأحكام المادة (14/أ) من قانون إدارة قضايا الدولة رقم (28) لسنة 2017، إلا أن جدار التعنت الإداري بقي صامدا.

فقد حاولت وزارة الأشغال رمي كرة اللهب إلى ملعب وزارة المالية متذرعة بنقص المخصصات، غير أن الرد جاء حاسما بلسان وزير المالية الدكتور محمد العسعس، عبر كتاب رسمي صدر في أواخر أيار 2023، مستندا إلى المادة (14/ج) من قانون إدارة قضايا الدولة، والذي أكد فيه أن الدائرة المعنية هي من تتحمل التكاليف والمصاريف، موجها وزير الأشغال صراحة بضرورة تنفيذ الحكم عبر إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وإجراء مناقلات مالية من موازنة الأشغال ذاتها.

وفي تصريحات خاصة لـ “عرب سكاي الرقمية”، كشفت السيدة رانيا الكوز عن الأبعاد الكارثية لهذا التعنت الإداري، مؤكدة أن الأردن دولة مؤسسات وقانون، وهو ما يوجب على الجهات الحكومية أن تكون السباقة في الإذعان للقانون الذي يحكم جميع الأردنيين، محذرة من أن امتناع الوزير عن دفع المطالبات المالية المثبتة قضائيا لا يضر بشركتها فحسب، بل يهدد بتدمير قطاع المقاولات بـ أكمله، والذي يرتبط عضويا بسلسلة واسعة من المهن المساندة.

وأضافت، أن انهيار هذا القطاع سيلقي بظلاله القاتمة على شريحة كبيرة من المجتمع الأردني، تشمل السائقين والمساحين والكياسين، والعاملين في المختبرات الفنية، ومقاولي الإسفلت وموردي المواد الإنشائية، وصولا إلى فئتي العمال والمهندسين، مطالبة بضرورة الامتثال لقرار القضاء لتمكين هذه الشركات من النهوض مجددا والمساهمة في إعمار الوطن.

ولم تقف الكوز في تصريحاتها لـ “عرب سكاي الرقمية” عند حد التحذير من الانهيار القطاعي، بل وجهت انتقادا لاذعا لنهج الإدارة في التعامل مع الأزمة، واصفة التغاضي عن المطالبات القضائية بأنه مجرد “ترحيل للأزمات”، لا يقدم أي حلول حقيقية.

وفي مفارقة مالية تكشف حجم التخبط الإداري والهدر في المال العام، أشارت الكوز إلى حقيقة اقتصادية صادمة؛ قائلة: “لو لجأت الوزارة إلى استقراض المبلغ المطلوب من أي بنك تجاري لسداده، لكانت الفائدة البنكية أقل بـ كثير من الفائدة القانونية البالغة (9%) والتي ستضطر الخزينة العامة لدفعها آجلا أم عاجلا بسبب استمرار هذه المماطلة.

تنتهي خيوط هذا التحقيق عند حقيقة ثقيلة مفادها أن القضية لم تعد مطالبة مالية مؤجلة، بل اختبار صارم لهيبة القضاء، ولجدية الحكومة في حماية المال العام، ولقدرة مؤسسات الدولة على إلزام مسؤوليها قبل مواطنيها بتنفيذ القانون، فحين يصدر حكم قطعي وتوجه رئاسة الوزراء بـ التنفيذ وتحدد وزارة المالية مصدر الدفع، ثم يبقى الحق حبيس الأدراج، فإن الخلل لا يعود إداريا فقط، بل يتحول إلى عبء على الخزينة وثقة الناس بالدولة.

ما جرى مع شركة موسى الكوز وأولاده يكشف مفارقة لا تحتمل التجميل، وزارة تشكر الشركة في العلن على وقوفها مع الوطن وقت الحاجة، ثم تمتنع عن دفع حقها حين يحسم القضاء النزاع لصالحه، وبين شهادة الشكر وحكم التحكيم وقرار التمييز وكتب رئاسة الوزراء والمالية، يظهر مسار واضح لا يحتاج إلى اجتهاد، بل إلى تنفيذ.

ترحيل هذه القضية إلى الوزير القادم لا يلغي المسؤولية، بل يضاعفها، فـ الفائدة القانونية لا تنتظر تغير الحكومات، والخزينة لا تملك رفاهية دفع كلفة التعنت، وقطاع المقاولات لا يحتمل مزيدا من الرسائل السلبية.، لذلك يصبح تنفيذ الحكم واجبا فوريا، ومحاسبة من عطل الدفع ضرورة رقابية، ووقف نزيف الـ9% حقا عاما قبل أن يكون حقا لشركة واحدة.