ذات صلة

الأكثر قراءة

القاضي: المتقاعدون العسكريون مدرسة في الوفاء والعطاء

قال رئيس مجلس النواب مازن القاضي إن عيد الاستقلال...

مصير شكاوى الفساد داخل هيئة النزاهة بين الحفظ والإحالة,, تحقيق صحفي

تفاصيل أسباب الحفظ، شفافية ظهرت في 2022 واختفت لاحقااسترداد...

أول تعليق أميركي على مقترح إيران الأخير: سنتفاوض بالقنابل

عرب سكاي -بعد أن قدمت إيران مقترحا محدثا للتوصل...

باكستان تسلم أمريكا مقترحا إيرانيا جديدا لإنهاء الحرب

عري سكاي -أرسلت إيران مقترح ​سلام جديدا إلى الولايات...

ولي العهد يلتقي وجهاء وممثلين عن عشائر العجارمة

عمان – التقى سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني...

مصير شكاوى الفساد داخل هيئة النزاهة بين الحفظ والإحالة,, تحقيق صحفي

تفاصيل أسباب الحفظ، شفافية ظهرت في 2022 واختفت لاحقا
استرداد المال العام لا يكفي دون مساءلة قضائية… ثلاث فرضيات وراء ارتفاع الحفظ وقلة الإحالة

عرب سكاي – تحقيق خليل النظامي

بدأت قصة التحقيق من منشور لـ الخبير الاقتصادي الأردني عامر الشوبكي عبر صفحته على منصة الـ”فيسبوك”، ما أثار نقاشا واسعا حول أزمة الثقة في مسار الإبلاغ عن شبهات الفساد لدى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد الأردنية.

التغريدة التي قال فيها الشوبكي: “تراجع كثيرون عن الكشف والإبلاغ عن شبهات فساد… وأنا منهم”، حولت صفحته الى مساحة كبيرة من المكاشفة، عرض فيها مواطنون تجاربهم مع الهيئة، وتحدثوا عن كلفة الإبلاغ ومخاوفه.

هذا المشهد قاد المحقق الصحفي الى العودة لـ الأرقام والاحصائيات الرسمية في تقارير هيئة النزاهة ومكافحة الفساد للأعوام (2022) (2023) (2024)، وهو ما زاد المشهد أكثر تعقيدا خاصة أن الإحصائيات رسمت صورة تكاد ان تكون مطابقة لـ ما جاء في تعليقات المواطنين.

لنبدأ من حيث بدأ الجدل، من منشور الشوبكي نفسه، فـ الرجل لم يتحدث عن نظريات أكاديمية، بل عن تجربة شخصية واقعية مريرة، قال فيها إنه كان ممن يرسلون شكاوى وبلاغات موثقة إلى هيئة مكافحة الفساد، لكنه اكتشف أن النتيجة كانت صفرا، وأنه عندما حاول متابعة ملفاته، وجد نفسه فجأة في دائرة الضوء بدلا من أن تكون القضية هي موضع الاهتمام.

تغريدة الشوبكي تبعها تعليقات كثيرة كشفت عن مسار تحقيقي موازي لـ الأرقام الرسمية، اذ لم تظهر التعليقات كـ تفاعل عابر، بل كـ عينة اجتماعية تكشف كيف ينظر المواطنون إلى مسار الإبلاغ عن شبهات الفساد.

المهندس حسين خطاب علق حول مشروع تحلية المياه والناقل الوطني، مشيرا الى أن المشروع يحتاج إلى طاقة كهربائية قد تصل إلى (3) جيجاواط، وطرح بديلا يعتمد على فرق الضغط الطبيعي بين العقبة والبحر الميت لتقليل كلفة التشغيل، وهو ما يفتح سؤالا رقابيا حول كفاءة التخطيط الفني وكلفة البدائل المطروحة، اذ لا تظهر الرشوة المباشرة، بل يظهر الهدر في قرارات هندسية مكلفة تتجاهل بدائل أقل كلفة.

وفي اتجاه آخر، عكست تعليقات عديدة إحباطا من قدرة الأجهزة الرقابية على الوصول إلى الملفات الحساسة، حيث دعا أيمن دويري إلى منح هيئة النزاهة ومكافحة الفساد صلاحيات أوسع وأداة تنفيذية مستقلة، في إشارة إلى شعور عام بأن وضعها الحالي لا يملك القوة الكافية أمام النفوذ، أما محمد الطوسي أبو عمر، فعبر عن تصور شعبي بوجود تفاوت في الملاحقة، وهو تصور يحتاج إلى بيانات رسمية أكثر تفصيلا لاختباره، ويغذي هذا التصور غياب بيانات تفصيلية في تقارير الهيئة عن مواقع المحالين إلى القضاء ومستوياتهم الوظيفية، وجاء تعليق أحمد القضاة ليضع الإصبع على كلفة الإبلاغ، مشيرا إلى أن المبلغ قد يجد نفسه تحت ضغط الإجراءات، خاصة عندما يكون الطرف المقابل أكثر نفوذا.

هذه التعليقات وغيرها الكثير كشفت مجتمعة عن فجوة لا تجيب عنها تقارير الهيئة، تتمثل بـ غياب أرقام واضحة عن المبلغين الذين تعرضوا لـ الضغط أو المساءلة أو النقل بعد تقديم بلاغاتهم، وغياب تفسير كاف لأسباب حفظ ملفات كثيرة قبل وصولها إلى القضاء.

في مقابل ذلك، إذا انتقلنا من فضاء التعليقات الساخنة إلى أرض الأرقام الباردة الصادرة عن هيئة النزاهة نفسها، نكتشف أن الحكاية ليست مجرد مشاعر او اتجاهات شخصية، بل هي نمط مؤسسي ثابت، فـ في عام (2022)، سجلت الهيئة (3341) شكوى وإخبارا وتظلما، وانتهى (1758) قرارا إلى الحفظ، أي ما نسبته (52.6%) من إجمالي الشكاوى، ولعل الأهم في تفاصيل هذا العام أن الهيئة كشفت أسباب الحفظ، فكان (1228) حالة حفظ لعدم الاختصاص، و(94) حالة حفظ مع مخاطبة بالتصويب، و(433) حالة حفظ مع تمرير المعلومة إلى جهات أخرى.

هذا التفصيل الذي يختفي لاحقا، كان يعطي القارئ (المواطن) فرصة لفهم طبيعة المشكلة: هل الشكاوى ضعيفة؟ أم أن الهيئة تتلقى ما ليس من اختصاصها؟ أم أن هناك إحالات داخلية لا تصل إلى القضاء؟

وفي العام نفسه، تعاملت مديرية التحقيق ووحدة العمليات مع (2163) ملفا تحقيقيا، حفظ منها (821) ملفا، في حين لم تحل إلى الادعاء العام سوى (236) ملفا فقط، أي أن كل ملف يصل إلى القضاء كان يقابله أكثر من ثلاثة ملفات تحفظ، وكانت نسبة الحفظ تفوق الإحالة بثلاثة أضعاف.

إلاّ أن الصورة تصبح أكثر إثارة لـ القلق في عام (2023)، إذ تعاملت الهيئة مع (2431) ملفا تحقيقيا منها (1100) ملف مدور من سنوات سابقة، وفصلت في (1591) ملفا فقط من بينها، وهنا تظهر النسبة الحاسمة، فـ من بين الملفات المفصولة، تم حفظ (1204) ملفات، أي ما نسبته (75.7%)، في حين أحيلت فقط (251) ملفا إلى المدعي العام، أي (15.8%)، وهذا يعني أن أكثر من ثلاثة أرباع الملفات التي أنهت الهيئة نظرها لم ترى النور القضائي أبدا، وأن كل ملف يصل إلى القضاء يقابله نحو (4.8) ملفات محفوظة.

والكارثة أن تقرير العام (2023) لم يعد يقدم تفصيلا لأسباب الحفظ كما قدمه في (2022)، فـ القارئ يعرف الآن أن (1204) ملفات قد حفظت، لكنه لا يعرف كم منها حفظ لعدم الاختصاص، وكم لضعف الأدلة، وكم لانعدام شبهة الفساد، وكم بسبب “توجيه إداري” أو “تصويب” أو أي سبب آخر، وهذه الفجوة في البيانات هي ثغرة خطيرة، لأنها تحول رقم الحفظ إلى صندوق أسود يمكن تفسيره بأي شكل، وتمنع أي جهة خارجية من تقييم أداء الهيئة بموضوعية، أما في عام (2024)، فاستمر الاتجاه نفسه، ولكنه تفاقم من ناحية نسبية، حيث تعاملت الهيئة مع (2007) ملفات تحقيقية، حفظت منها (758) ملفا، وأحالت (197) ملفا فقط إلى المدعي العام، وأبقت (727) ملفا قيد الإجراء (أكثر من ثلث الملفات).

وإذا أجرينا مقارنة بين عام (2024) بـ عام (2023)، نجد أن إجمالي الملفات انخفض من (2431) إلى (2007)، أي بنسبة (17.4%)، لكن الإحالات إلى القضاء انخفضت من (251) إلى (197)، أي بنسبة (21.5%)، وهو ما يعني أن تراجع الإحالات كان أسرع من تراجع حجم الملفات، وهو مؤشر سلبي يشير إلى أن الهيئة أصبحت أكثر ميلا لـ الحفظ وأقل ميلا لـ الإحالة الى القضاء مع مرور الوقت.

ومن خلال مقارنة شهادات المعلقين على صفحة الشوبكي بـ بيانات الهيئة تظهر لنا ثلاث فرضيات رئيسية، تتمثل الفرضية الأولى في أن جزءا من الملفات يحفظ بسبب ضعف البلاغات، أو لأن موضوعها لا يدخل ضمن اختصاص الهيئة، وهذا تفسير مقبول من الناحية الرسمية، لكنه لا يفسر تكرار نسب الحفظ المرتفعة سنة بعد سنة، ولا يفسر غياب برامج واضحة تساعد المواطنين على تقديم بلاغات أقوى وأكثر دقة.

أما الثانية فـ تطرح بعض التعليقات فرضية تأثير النفوذ في ثقة الجمهور بمصير الملفات، لكن التحقيق لا يملك دليلا يثبت ذلك، بمعنى خشية بعض المواطنين أن تؤثر مكانة الجهة أو الشخص الوارد في البلاغ على ثقتهم بمآل الملف، وهي خشية لا تكفي لإثبات تدخل فعلي، وتقارير الهيئة لا تقدم دليلا يثبت ذلك، لكنها في الوقت نفسه لا تقدم بيانات كافية لـ نفيه، لأنها لا تكشف الجهات التي تتكرر في الملفات المحفوظة ولا مواقع أصحابها.

وفي السياق تبين الفرضية الثالثة أن الهيئة تواجه صعوبة في التعامل مع الفساد الفني والاقتصادي والهندسي، وهذا النوع لا يظهر كـ اختلاس او رشوة مباشرة، بل يظهر في قرارات تصميم أو عقود أو دراسات جدوى او عطاءات أو مشاريع مرتفعة الكلفة، وعندما لا تتوفر الخبرة الفنية أو الدليل الجنائي المباشر، قد ينتهي الملف إلى الحفظ، رغم بقاء أثره المالي على المال العام.

وبـ الغوص والتعمق أكثر في التقارير السنوية تظهر فجوة أخرى تتعلق بـ عمر الملفات “قيد الإجراء”، فـ في كل عام تعلن الهيئة عن مئات الملفات التي لم تحسم، (982 ملفا في عام 2022)، و(840 ملفا في عام 2023)، و(727 ملفا في عام 2024)، إضافة الى ذلك لم توضح التقارير كم ملفا منها ورد في نهاية العام، وكم ملفا مدورا من سنوات سابقة، وهذا التفصيل مهم لأن بقاء ملف فساد كبير قيد الإجراء لـ سنوات يؤدي إلى ضعف الأدلة أو صعوبة الملاحقة أو تعطيل مسار العدالة، فـ إذا كان ملف فساد كبير يظل قيد الإجراء لـ ثلاث سنوات، فهذا يعني عمليا تجاوز التقادم أو تبخر الأدلة او طول أمد بعض الملفات وإن ثبت قد يؤدي إلى إضعاف الأدلة أو تعطيل المسار، ما يستدعي نشر أعمار الملفات قيد الإجراء ، وكلها سيناريوهات لا تصب في صالح العدالة بالتأكيد، لكن غياب هذا التفصيل يحمي الهيئة من أي مساءلة حول سرعة إنجازها.

في المقابل، تسارع الهيئة في تقاريرها إلى إبراز أرقام استرداد المال العام ومنع الهدر، فـ في (2023) مثلا ذكر التقرير أن الهيئة ساهمت في استرداد نحو (102) مليون دينار، ومنع هدر نحو (38) مليون دينار، وهذه الأرقام مهمة وتعكس أن جزءا من عمل الهيئة يتم عبر مسارات غير قضائية مثل التصويب الإداري والاسترداد الطوعي والمتابعة مع المؤسسات.

لكن هذا النجاح لا يلغي الحاجة إلى فصل أوضح بين المعالجة الإدارية والمساءلة القضائية، خاصة أن المواطن الذي يقدم بلاغا عن شبهة فساد لا يريد فقط استرداد المال، بل يريد رؤية الفاسد وهو يحاسب أمام القضاء، وإلا تحولت مكافحة الفساد إلى مجرد محاسبة مالية بلا رادع عقابي.

خاتمة التحقيق تتمثل في صورة مركبة، خبير اقتصادي محترم مثل عامر الشوبكي يعلن استسلامه ويقول: “أنا لم أعد أبلغ”، من جهة، ومن جهة أخرى أرقام رسمية تظهر أن أكثر من ثلاثة أرباع الملفات المفصولة تحفظ دون إحالة، ومن جهة ثالثة، اراء وتعليقات المواطنين التي تصف واقعا يرون فيه أن البيانات المنشورة لا تكفي للإجابة عن أسئلتهم، وأن “كلفة الكلام” قد تكون أكبر من فائدة الإبلاغ.

وهذه الخيوط جميعها تتقاطع في نقطة واحدة تتمثل في أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمؤسسة الرقابية، وفجوة لا تسدها الوعود ولا الأرقام الإجمالية المجردة، بل إنها أزمة تحتاج إلى شفافية جذرية تعمل على تفصيل أسباب الحفظ، وكشف أعمار الملفات العالقة، والإفصاح عن القطاعات الأكثر تكرارا في الشكاوى المحفوظة، والأهم من ذلك كله حماية حقيقية لـ المبلغين بحيث لا تنتهي عند مجرد نصوص قانونية جامدة.

وربما تكون هيئة النزاهة نزيهة في إجراءاتها الداخلية، وربما تكون معظم قرارات الحفظ مبررة موضوعيا، لكن علم الإدارة الحديث يقول: أن النزاهة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون النزاهة مرئية وقابلة لـ التدقيق.