الملك عبدالله الثاني تعامل مع الأزمة بمنطق الدولة لا بردود الفعل
دبلوماسية أردنية نشطة أبقت عمان مؤثرة في مراكز القرار الدولي
عرب سكاي – خليل النظامي
كشفت دراسة أكاديمية حديثة صادرة عن جامعة تكساس في أوستن، بـ عنوان “الحبل المشدود الأردني: موازنة الملك عبدالله الثاني في استجابة النظام الملكي للسابع من أكتوبر”، عن الدور المركزي الذي يضطلع به الملك عبدالله الثاني في إدارة واحدة من أكثر أزمات المنطقة حساسية بعد اندلاع الحرب في غزة.
وفي التفاصيل ؛ أبرزت الدراسة أن الأردن تحت قيادة الملك الهاشمي حافظ على معادلة دقيقة تجمع بين الدفاع عن القضية الفلسطينية، وحماية الأمن الوطني الأردني، والحفاظ على الاستقرار الداخلي في ظل ضغوط إقليمية ودولية متشابكة، وأكدت أن المملكة بقيت استثناء عربيا لافتا في منطقة اجتاحتها الاضطرابات، إذ حافظت على استقرارها السياسي والأمني رغم التحديات التي فرضتها الحرب، وتصاعد مخاطر التهجير، والضغط على وكالة الأونروا، وتوسع العمليات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وتشير الدراسة إلى أن الملك عبدالله الثاني قاد استجابة أردنية متوازنة تمثلـ بـ رفض التهجير والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، إضافة الى تمسكها بـ الدور الهاشمي في حماية المقدسات، مع الحفاظ على قدرة الأردن على التأثير دبلوماسيا في مراكز القرار الدولي.
الدراسة تؤكد أن الملك واجه ضغوطا داخلية وخارجية متزامنة، وأن الأردن تحرك بين الدفاع عن فلسطين وحماية استقراره الوطني، وتوضح أن أهمية الدور الأردني لا تنبع من الخطاب السياسي وحده، بل من قدرة الدولة الأردنية على إدارة أزمة متعددة المستويات.
فـ الحرب في غزة وضعت الأردن أمام ملفات حساسة، أبرزها خطر التهجير وتراجع تمويل الأونروا، وتصاعد العمليات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وارتفاع الضغط الشعبي الداخلي نصرة للفلسطينيين.
وفي هذا السياق، قدم الملك عبدالله الثاني نموذجا في إدارة الدولة وقت الأزمات، فقد حافظ على موقف أردني ثابت يرفض تهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية، باعتبار التهجير خطرا على القضية الفلسطينية، وتهديدا مباشرا للأمن الوطني الأردني، مشيرة الى أن الأردن لم يتعامل مع هذا الملف بوصفه شأنا إنسانيا فقط، بل بوصفه محاولة لتغيير الجغرافيا السياسية لـ الصراع ونقل كلفة الاحتلال إلى دول الجوار.
وتبرز الدراسة أن موقف الأردن من الأونروا شكل أحد أبرز مؤشرات هذا الدور، فـ الوكالة لا تمثل بـ النسبة لـ الأردن مؤسسة إغاثة عابرة، بل تشكل جزءا من منظومة الاستقرار الإنساني والاجتماعي المرتبطة بملايين اللاجئين الفلسطينيين.

ومن هنا جاء تمسك الأردن باستمرار دعمها، ورفض محاولات إضعافها أو تحميل الدول المضيفة أعباءها، وعكس هذا الموقف وفقا لـ الدراسة إدراكا أردنيا عميقا بأن المساس بالأونروا يعني المساس بحقوق اللاجئين، وبالذاكرة السياسية للقضية الفلسطينية، وبـ الاستقرار داخل الدول المضيفة.
الى ذلك، تشير الدراسة إلى أن تصاعد العمليات الإسرائيلية في جنين والضفة الغربية وضع الأردن أمام اختبار أمني وسياسي بالغ الحساسية، فـ الضفة الغربية تمثل عمقا مباشرا لـ الأمن الأردني، وأي انفجار واسع فيها سينعكس على الحدود، والداخل الأردني، وفرص الحل السياسي.
ولهذا ركزت القيادة الأردنية على منع توسع الصراع، والتحذير من الإجراءات الإسرائيلية التي تقوض حل الدولتين، والدفع باتجاه تحرك دولي يحمي الفلسطينيين ويوقف التصعيد.
وتكشف الدراسة مؤكدة أن الملك عبدالله الثاني تعامل مع هذه الملفات ب، منطق الدولة المسؤولة لا بـ منطق رد الفعل الآني، فهو لم يسمح بأن يتحول الغضب الشعبي المشروع إلى فوضى داخلية، ولم يسمح في الوقت نفسه بأن تضغط الحسابات الدولية على ثوابت الأردن تجاه فلسطين، وقد حافظت المملكة على خطاب واضح يدين العدوان، ويرفض التهجير ويدافع عن القدس والمقدسات، ويدعو إلى وقف الحرب وإدخال المساعدات، هذا التوازن يكشف عن جوهر السياسة الأردنية في عهد جلالة الملك، فـ الأردن لا يملك ترف المغامرة في إقليم مضطرب، لكنه لا يتخلى عن دوره التاريخي تجاه فلسطين، لذلك اختارت عمان طريقا دبلوماسيا صعبا، يجمع بين الثبات على المبادئ، وحماية مصالح الدولة، والحفاظ على القدرة على التأثير في العواصم الدولية.

وتلفت الدراسة إلى أن الخطاب الأردني في وسائل الإعلام المحلية، ومنها الرأي والمملكة، عكس حرص الدولة على إبراز الأردن بوصفه داعما لـ الفلسطينيين، ومدافعا عن حقوقهم في مواجهة الحرب والتهجير، وقد ساعد هذا الخطاب في حماية الجبهة الداخلية، وتأكيد وحدة الموقف الرسمي والشعبي تجاه القضية الفلسطينية، من دون دفع البلاد إلى مسارات تضر استقرارها.
وفي ضوء ما سبق تؤكد ألدراسة أن المملكة الأردنية الهاشمية بـ قيادة الملك عبدالله الثاني دولة تمارس دورا يفوق حجمها الجغرافي والاقتصادي، فهي تتحرك في ملف تتقاطع فيه مصالح قوى كبرى، وحكومة إسرائيلية صهيونية متشددة، وغضب شعبي عربي وأزمة إنسانية غير مسبوقة في غزة، ورغم ذلك بقي الأردن حاضرا في قلب المشهد، مدافعا عن الفلسطينيين، ورافضا لـ التوطين والتهجير، ومتمسكا بالحل السياسي العادل.
وتؤكد الدراسة أن قوة الأردن تكمن في هذه القدرة على الموازنة، فـ الحفاظ على الاستقرار الداخلي لا ينفصل عن دعم فلسطين، بل يعزز قدرة الأردن على خدمة القضية، والدبلوماسية الأردنية لا تعني التراجع، بل تعني إبقاء الأردن قادرا على الكلام، والضغط والتحرك وحشد المواقف الدولية.

وبهذا المعنى، يعكس أداء الملك عبدالله الثاني بعد 7 أكتوبر قيادة سياسية تدرك خطورة اللحظة، وتقرأ موازين القوى بواقعية، وتتمسك بثوابت الأردن في الدفاع عن فلسطين والقدس، مع حماية الدولة الأردنية من تداعيات الحرب، وهو ما يجعل الدور الأردني، كما تبرزه الدراسة، دورا محوريا في منع اتساع الأزمة، وفي الحفاظ على صوت عربي عاقل وفاعل داخل واحدة من أعقد أزمات المنطقة.

