عرب سكاي – الجزائر -رياض معزوزي
اجتاح الجفاف في السنوات العشر الأخيرة مناطق واسعة بالجزائر، ما أثر على عملية التوزيع اليومي للماء الشروب من جانب، والزراعة والفلاحة والغطاء النباتي من جانب آخر، ما جعل المسؤولين في الجزائر يتوجهون للبحث على حلول لكل ذلك .
وكان البحر الأبيض المتوسط الذي تطل عليه الجزائر شمالا على شريط يصل الى 2148 كلم ملاذا آمنا لإنجاز محطات لتحلية المياه، وشق قنوات على مسافة مئات الكيلومترات لتصل الى المناطق الداخلية، في ترقب ان تمتد مستقبلا حتى تبلغ المحافظات ببوابات الصحراء الكبرى كما تسمى.
الرئيس عبد المجيد تبون، كان حريصا في اجتماعاته المتكررة بمجلس الوزراء وولاة الجمهورية، لإنجاح التحول الجزائري الجديد في قطاع الري والموارد المائية، معترفا بان الجفاف الذي ضرب الجزائر وضع الدولة امام تحد كبير، ونجحت لحد الآن في تجسيد 05 محطات توفر يوميا ازيد من 01 مليون متر مكعب من المياه.

وبهذه الخطوات يرى الاعلامي والمحلل الاقتصادي عبد النور جحنين، ان الجزائر اختارت الحل الامثل للتخفيف من حدة الازمة، ان لم نقل القضاء عليها بشكل كامل في بعض المحافظات، كالعاصمة، بومرداس، تيبازة، بجاية ووهران، وسيجعل مستقبل الماء أكثر أمانا في قادم السنوات.
ومن الناحية الاقتصادية يقول جحنين في تصريح لعرب سكاي:” فالميزانية المخصصة لتوطين 19 محطة لتحلية مياه البحر، ستفوق 23 مليار دولار، وستمس أغلب المحافظات التي تطل على البحر، موفرة الماء لأزيد من 15 مليون نسمة، يستقرون في المدن الكبرى”.
كما ان استراتيجية الدولة وفق جحنين، تم بلورتها على مراحل تمتد الى غاية 2030 لتوفر الاحتياج لأزيد من 60% ، اذ ان التغطية في البداية تبلغ 17% من الاحتياجات بالمياه المحلاة ، وارتفعت تدريجيا لتصل إلى 22% عام 2022 و 42% عام 2024 و 44% العام الماضي 2025، في انتظار التحدي الاكبر وهو بلوغ 60% سنة 2030.
وعانت الجزائر جفافا على مر السنوات العشرة الأخيرة، جعلتها تدخل الدائرة الحمراء حسب الخبراء وغيرت من خارطتها الفلاحية، خاصة على مستوى مناطق الهضاب العليا والمناطق الصحراوية.
فالجزائر التي تتعدى فيها المساحة الموجهة للزراعة بحسب الأمين العام لاتحاد الفلاحين الجزائريين عبد اللطيف ديلمي 08 ملايين هكتار، أصبحت اليوم لا تتعدى 04 ملايين هكتار، وذلك بسبب موجة الجفاف والعراقيل التي أدت الى عزوف الفلاحين عن خدمة اراضيهم.
وبحسب تصريحات ديلمي لعرب سكاي، فان هناك مساحات زراعية واسعة لم يتم خدمتها على مر السنوات الثلاث الأخيرة أو أكثر، لتتحول الى بور لا تصلح سوى لجمع الحصى والنباتات الشوكية، خاصة بمناطق الهضاب العليا الغربية والوسطى وبوابات الصحراء”.
فالفلاح كما قال “وجد نفسه بين مطرقة شح الأمطار التي يعتمد عليها كليا في سقي محاصيله الزراعية، وسندان انعدام المرافقة والدعم الكافي من الدولة، ليصل الى نتيجة كلها خسائر، يزرع ولا يحصد، ويوفر صهاريج بأثمان باهظة لأشجار لم تقاوم الجفاف، كما كان يتعرض لعراقيل كبيرة في حفر الآبار ،ينتظر أكثر من سنتين ليرد اليه وغالبا ما يكون بالسلب”.
وثمن ديلمي المجهودات الأخيرة للدولة، والتي تسعى الى دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المهتمة بقطاع الري والفلاحة، كما أبدى ارتياحه من قرار تعميم تحلية مياه البحر للتخفيف من حدة العطش البشري والفلاحي، مع تفعيل شرطة المياه لمحاربة التبذير.
ويطالب ديلمي من الدولة “توسيع منح الأراضي لاستصلاحها من قبل الشباب، بشرط المرافقة ودعمهم في توفير تقنية السقي بالتقطير، واقتناء الأجهزة كالمضخات وانابيب تحويل المياه، مع تقديم تسهيلات للوصول الى مصادر الماء لتجنب شبح الجفاف الذي ارعب الفلاحين وجعلهم يهجرون خدمة الأرض”.

خالد فوضيل الباحث بمعهد تسيير التقنيات الحضرية، بجامعة صالح بوبنيدر- قسنطينة 3، ورئيس جمعية أكسي جين المعنية بالحفاظ على البيئة، يعتبر بان خطة الجزائر في توسيع محطات تحلية مياه البحر خاصة بالمدن الكبرى كفيل بتخفيف الأزمة ولو بنسبة قليلة.
فلو مثلا يقول لعرب سكاي “استطعنا توفير مياه الشرب عن طريق تحلية مياه البحر لكل من محافظات الجزائر العاصمة، وهران، عنابة، بجاية، بومرداس، مستغانم، سكيكدة، جيجل، تيبازة وعين تيموشنت، فإننا سنوفر ملايير الامتار المكعبة من المياه سنويا، لتحويلها الى المناطق الداخلية والصحراوية”.
وهذه العملية الأخيرة بحسب فوضيل “لا تأتي الا بدعم القطاع بسدود كبيرة والمتوسطة، وربطها فيما يسمى بمشاريع التحويلات الكبرى للمياه”.
لأن الجزائر يردف “فقدت مخزونا كبيرا من المياه الجوفية على مر سنوات الجفاف الأخيرة، وعودة ذلك المخزون مرتبط باستقرار التساقط السنوي، ولو لثلاث سنوات متتالية وبمعدل تساقط تفوق 1000 ملمتر شمالا، وبين 800 و300 ملمتر بالمناطق الداخلية والصحراوية”.
ويعتبر خالد فوضيل توسيع نطاق التشجير، أحد اهم العوامل لتقويم المناخ، كونه يحافظ على الاعتدال وتخفيض درجات الحرارة المرتفعة، وبالتالي تقليص حاجة الارض الى المياه .
وأشاد محدثنا بالخطة المستقبلية للجزائر بتجديد جدار السد الأخضر الذي يفصل المناطق الصحراوية بمناطق الهضاب العليا والداخلية بميزانية تفوق 128 دولار، وتهدف الى غرس ملايين الهكتارات انطلاقا من جنوب تبسة شرقا الى غاية وحافظات البيض وشمال بشار غربا.

الخطوة في نظر الباحث من شانها ان تعدل المناخ، وتتصدى لزحف الرمال نحو الشمال بعدما حولت في السنوات الأخيرة آلاف الهكتارات الى بور غير صالح للزراعة.
وبالعودة الى تحركات الجزائر لتوطين محطات لتحلية البحر، فان الخطة الأخيرة لحد الآن كان نهاية العام 2025، أين وافق مجلس الوزراء, بعد الدراسة والمناقشة, على توطين ثلاث محطات لتحلية مياه البحر، في محافظات الشلف، مستغانم وتلمسان، تنتج كل محطة يوميا 300 ألف متر مكعب من الماء الشروب.

