عرب سكاي – الجزائر -رياض معزوزي
بعد نحو عامين من الازمة السياسية الحادة بين الجزائر وفرنسا، يخرج الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خلال جولته الافريقية بتصريح يمهد الى عودة العلاقات وتلطيف الأجواء بين البلدين الذين تربطهما سابقا علاقة مستعمر بدولة محتلة.
فعلى هامش مؤتمر صحافي عقده في كينيا أعرب الرئيس الفرنسي عن أمله في أن تشكّل الزيارة التي أجرتها مؤخرا الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو إلى الجزائر، بداية لاستئناف العلاقات بين البلدين، بعد قطيعة دامت قرابة عامين كاملين.
وقال المسؤول الاول على فرنسا في نفس المؤتمر “أعتبر من واجبي الدفاع عن مصالح الفرنسيات والفرنسيين، والتي تتمثل في إقامة علاقات سلمية وبناءة مع الجزائر، بعيدا عن السياسة الداخلية الفرنسية التي عقدت الوضع وزادت من توتير العلاقات بيننا”.
انتقاد الرئيس الفرنسي للجبهة الداخلية الفرنسية وربطها بصلب الأزمة بين الجزائر وفرنسا في نظر الخبير في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية لطفي وناس هو في الأصل يعكس عن عمق ازمة كبيرة في الداخل الفرنسي، وانعدام الثقة في بناء علاقات دولية قوية خاصة مع الجزائر.
وفي تصريح خص بيه عرب سكاي، أكد وناس من ان الرئيس الفرنسي كان يقصد من وراء كلامه عن السياسة الداخلية الفرنسية، قوى اليمين واليمين المتطرف الفرنسيين، لا سيما وزير الداخلية السابق برونو ريتايو، الذي كان كثير الكلام عن الجزائر، وكان في الأصل سبب الأزمة.
وقال لطفي وناس “أن التطورات الأخيرة داخل البيت الفرنسي، ورحيل وزير الداخلية الأسبق برونو ريتايو، والزيارة الاخيرة التي قادت مؤخرا الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو إلى الجزائر، ولقائها مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تنم عن رغبة أكبر من فرنسا قبل الجزائر لإعادة العلاقات الى سابق عهدها “.
معتبرا ان الجزائر أمام كل ما حدث تكون قد حققت انتصارا دبلوماسيا كبيرا، كون ان “شراع عودة العلاقات كانت رياحها قد انطلقت من فرنسا، وعلى لسان الرئيس نفسه، بعدما أيقن بان فرنسا خسرت الكثير في ضل الازمة المستمرة بين البلدين”.
وكانت الوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين لدى وزيرة الجيوش أليس روفو، قد زارت في الثامن ماي 2026 ولاية سطيف شرق الجزائر، للمشاركة في احياء ذكرى مجازر اقترفها المستعمر الفرنسي في نفغس اليوم من عام 1945 ، وأدت الى استشهاد مالا يقل عن 45 ألف جزائري في يوم واحد، خاصة في ولايات سطيف قالمة ومدينة خراطة التاريخية.
وقد تطرقت الوزيرة المنتدبة الى العلاقات بين الجزائر وفرنسا بالقول ” كلفني الرئيس ماكرون بنقل عزمه على إيجاد السبل والوسائل لإعادة بعث العلاقة الثنائية بين بلدينا المبنية على الاحترام، كما تهدف إلى التهدئة وبناء الثقة، وعودة الحياة السياسية والاقتصادية بين فرنسا والجزائر كما كانت سابقا او أقوى”.
وعقب لقاء جمعها بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ، وتطرقا فيه الى عدة نقاط أبرزها ازمة الطاقة، ومضيق هرمز، وقضايا دول البحر الأبيض المتوسط، قالت روفو “هذا اللقاء جاء بعد الزيارة التي قامت بها بعد طلب من الرئيس ماكرون إلى سطيف لإحياء ذكرى صفحة مؤلمة جدا من تاريخنا وهي الأحداث المأساوية التي وقعت في 8 مايو 1945”.
اذ أعربت في ذات السياق عن التأثر العميق بعد الاستقبال الذي حظِيت به في سطيف، والذي كان حارا كما وصفت، وبمشاركة السفير والوفد المرافق لها، حيث أكدت “لقد عشنا ذلك بكثير من التأثر ونحن ندرك طبعا حجم المأساة التي مثلتها تلك الأحداث للشعب الجزائري”.
بداية التحرك الفرنسي لإعادة العلاقات بين البلدين في نظر الأستاذ بلال بارة، الباحث في التاريخ المعاصر والعلاقات الدولية، يأتي بعدما ادركت هذه الاخيرة، بان الجزائر هذه المرة كانت جادة اكثر من أي وقت مضى في الاستمرار في القطيعة على الرغم من الوساطات المتكررة من اجل تلطيف الأجواء.
فالأزمات الدبلوماسية الحادة بين الجزائر وفرنسا كما قال بارة في تصريح لعرب سكاي “كانت في السابق تنتهي قبل أن تبدأ، وفي اقصى تقدير تستمر من شهرين الى ثلاث أشهر، ولم يكن احد من الفرنسيين يتوقع ان الجزائر ستكون عصية هذه المرة، وسترد بالمثل في أي تعامل فرنسي، وتواصل ادارة رأسها لفرنسا عامين كاملين”.
اذ ان انهيار العلاقات بين الجزائر وفرنسا يردف بلال “كان لها امتداد يصل الى الحراك الجزائري، تلاه الارتباط الوثيق لهذه الدولة بعهد العصابة كما يسميه الجزائريون في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، وطلبات الجزائر بعد مجيئ تبون الى الحكم بتسليم أسماء واسترجاع اموال وهو ما لم تتعامل معه فرنسا بالجدية المطلوبة، ثم جاءت ازمة الروائي بوعلام صنصال، وقضية دخول وخروج الدبلوماسيين واستدعاء السفراء والقناصلة، وقطع العلاقات”.
لكن هناك امور خفية تبدوا بالنسبة لبلال من محركات الرئيس الفرنسي لإعادة الحياة الى العلاقات الفرنسية الجزائرية، ومنها التوجه القوي للجزائري الى توثيق العلاقات مع ايطاليا واسبانيا وتركيا، ما يعد ضربة قاصمة للاقتصاد الفرنسي الذي كان ينعش الجزائر سنوات خلت.
فالزيارة الاخيرة لتبون الى تركيا، وما تم عقده من اتفاقيات تعاون وفي شتى المجالات، اضافة الى الزيارات المتكررة من والى اسبانيا وايطاليان زاد من غياب فرنسا عن المشهد في الجزائر كونها بوابة افريقيا، وهو ما تعتبره الاليزيه فرصة ضائعة.
كما ان تطورات الأوضاع في مالي، ودول الساحل الافريقي واعادة ربط علاقات قوية بين الجزائر، النيجر، نيجيريا، التشاد، جعلت المصالح الفرنسية هناك ضيقة جدا، خاصة وان النظام العسكري في مالي على مشارف الانهيار، مع تمدد الازواد، لذلك فرنسا تريد انقاذ الموقف بإعادة علاقتها مع الجزائر.
ويستبعد الأستاذ بلال بارة ان تعود العلاقات الى نفس المستوى والحجم، ويرى ان المرحلة المقبلة قد نشهد فيها صلابة أقوى للجزائر من أجل مكاسب اكبر سيما ما تعلق بملف الذاكرة واسترجاع الارشيف، مع تطهير مناطق جزائرية من التفجيرات النووية وتعويضات عن الحرب الفرنسية للجزائر لمدة وصلت 130 عاما.

