عقود مع “الأشباح”، وحوكمة على الورق فقط، ولجنة تدقيق بلا رقابة حقيقية..!!
عندما تتحول الشركات التابعة إلى غرف خلفية للعقود، ويصبح الرقيب طرفا في الصفقة..!!!
هل أفصح قادة الملكية الأردنية عن تعارض المصالح؟
عرب سكاي – تحقيق خليل النظامي
تحقيق استقصائي بالبيانات الرقمية المفتوحة المصدر من (تقرير الملكية الأردنية 2025 وسجلات مراقبة الشركات)، يكشف عن تضارب مصالح منهجيا، ولجان تدقيق غير مستقلة، وشراكة مع شركة تحت التصفية، وحوكمة وهمية خلف ديكور تنظيمي.
بدأت قصة التحقيق في التاسع والعشرين من أيلول من عام 2024، حين اجتمعت الهيئة العامة لشركة عريقة تحمل اسم (الأجنحة الملكية)، واتخذت قرارا مصيريا تضمن وضع الشركة تحت التصفية الاختيارية، وتم تكليف المحامي (فراس صالح البطيخي) يقوم بـ اعمال تصفية القانونية لـ الشركة، وتم الإعلان بـ أنها لم تعد قادرة على الاستمرار، وقبل ذلك وتحديدا بتاريخ الثاني عشر من كانون الأول 2023، كان قد أعلن المراقب العام لـ الشركات بنقل سجل الشركة إلى سجل الشركات الموقوفة، وكان ذلك بـ مثابة إعلان وفاة قانونية لكيان كان يوما شريكا مهما في قطاع الطيران الأردني.

إلاّ أن الموت القانوني كما يكشف هذا التحقيق الاستقصائي القائم على البيانات الرسمية المفتوحة المصدر، لا يعني بـ الضرورة الخروج من دفاتر المحاسبة، فـ بعد مرور عام كامل على قرار التصفية، وخلال السنة المالية 2025 التي يغطيها التقرير السنوي لشركة (الخطوط الجوية الملكية الأردنية)، نجد أن ذات الشركة الميتة (الأجنحة الملكية) لا تزال حاضرة كـ شريك رئيسي في ملكية إحدى أهم الشركات التابعة للملكية الأردنية وهي شركة (تكرم لـ خدمات المطارات)، اذ تمتلك (الأجنحة الملكية) بالضبط (38,240) حصة في (تكرم)، وفقا لسجلات دائرة مراقبة الشركات تحت الرقم الوطني (200142175).
وهذا يعني أن أموالا من عقود وخدمات تقدمها (تكرم) إلى الملكية الأردنية كان من المفترض أن تتدفق عبر آليات توزيع الأرباح إلى شركة هي قانونيا (تحت التصفية)، ولا يحق لها مزاولة أي نشاط اقتصادي، فـ أين ذهبت هذه الأموال..!!؟ ومن الذي استلمها نيابة عن الشركة التي تم تصفيتها قانونيا..!!!؟
التقرير السنوي لـ الملكية الأردنية الذي يغطي عام 2025 بـ أكمله، لم يذكر هذه القصة من قريب أو بعيد، وهذا يعتبر أول مؤشر على أن ما يجري داخل جدران (الملكية الأردنية) ليس مجرد قصور في الحوكمة، بل هو بناء منهجي لـ عوالم موازية، اذ تتجاهل الأرقام والتواريخ القانونية لـ مصلحة مصالح إدارية أعمق.
شركة ميتة توزع أرباحها،، ومصف قانوني ينتظر دوره..!!
لكن قصة (الأجنحة الملكية) ليست سوى غيض من فيض، فـ حين يفتح ملف الشركات التابعة لـ (الملكية الأردنية)، كما هو مدون في صفحات التقرير السنوي لـ عام 2025، تظهر فضيحة هيكلية لا تقل خطورة، فـ الشركات التابعة ليست مجرد كيانات مستقلة، بل هي مرآة تعكس تشابكا عجيبا في الأدوار والمناصب بين الشركة الأم وبناتها.


وعلى رأس هذه التشابكات، تبرز قصة (عمر منذر إبراهيم الفاهوم) و(كريم مخلوف)، فـ الأول هو عضو مجلس إدارة (الملكية الأردنية)، والأخطر من ذلك هو أنه (رئيس لجنة التدقيق) فيها، وهي اللجنة التي يفترض أنها الحارس الأخير على نزاهة العقود ومنع تضارب المصالح، وأما الثاني فهو (رئيس القطاع التجاري) في الإدارة التنفيذية العليا لـ الشركة الأم، أي صاحب القرار المباشر في عقود البيع والشراء والخدمات.
وبـ العودة الى سجلات (دائرة مراقبة الشركات) الخاصة بشركة (تكرم لخدمات المطارات)، نجد أن (عمر الفاهوم) هو رئيس مجلس إدارة (تكرم)، و(كريم مخلوف) هو نائب رئيس مجلس إدارة (تكرم).
بمعنى آخر، يتضح أمامنا أن الشخص الذي يفترض به أن يدقق على عقود (الملكية الأردنية) مع شركاتها التابعة بصفته رئيس لجنة التدقيق هو نفسه الشخص الذي يصادق على عقود إحدى تلك الشركات من داخلها، لا بل ويديرها، والشخص الاخر الذي يفترض به أن يفاوض لـ صالح (الملكية الأردنية) لـ الحصول على أفضل الأسعار والشروط بصفته رئيس القطاع التجاري هو نائب رئيس الطرف الآخر في التفاوض، وهذه ليست مجرد هفوة في الإفصاح، هذا هو التعريف الدقيق لمصطلح (تضارب المصالح المنهجي)، حيث يصبح الصراع بين الولاءات مختلفا ليس على مستوى فرد واحد، بل على مستوى هيكل إداري بأكمله.
والشخص الاخر الذي يفترض به أن يفاوض لـ صالح (الملكية الأردنية) لـ الحصول على أفضل الأسعار والشروط بصفته رئيس القطاع التجاري هو نائب رئيس الطرف الآخر في التفاوض، وهذه ليست مجرد هفوة في الإفصاح، هذا هو التعريف الدقيق لمصطلح (تضارب المصالح المنهجي)، حيث يصبح الصراع بين الولاءات مختلفا ليس على مستوى فرد واحد، بل على مستوى هيكل إداري بأكمله.
(75%) من لجنة التدقيق غير مستقلين،، والـ (25%) الباقية تصرخ أين الحياد..!!!!
ولكي نفهم حجم الكارثة الرقابية، يجب أن نعود إلى تقرير الحوكمة نفسه والموضح تحديدا في الصفحة (164) من التقرير السنوي للملكية الأردنية لعام 2025، فنجد فيه أن الشركة تفتخر بـ التزامها بـ مبادئ (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية)، وتعليمات هيئة الأوراق المالية الأردنية، والتي تؤكد جميعها على شرط أساسي مضمونه ؛ “أن تتكون لجنة التدقيق من (أغلبية مستقلة)، أي أن يغلب على أعضائها صفة الحياد وعدم الانحياز لأي طرف من أطراف الإدارة أو المساهمين.

لكن عندما ننتقل في التقرير إلى الصفحات (169-172) التي تدرج أسماء أعضاء هذه اللجنة الفعلية، نكتشف أن من بين أربعة أعضاء، هناك ثلاثة فقط هم (غير مستقلين) تماما، وهم (عمر الفاهوم) نفسه، و(لؤي بهجت سهاونة)، و(بشير أحمد عبد الهادي) وكلهم يمثلون (شركة إدارة الاستثمارات الحكومية)، المساهم الأكبر بنسبة (95.318%)، أما العضو المستقل الوحيد فهي السيدة (رند غازي حنون).
أي بـ معنى أن نسبة الأعضاء غير المستقلين تبلغ (75%)، وهم يشكلون الأغلبية الساحقة، بل ويمتلكون رئاسة اللجنة وأغلبية أصواتها، وهذا يعني أن لجنة التدقيق هي في جوهرها امتداد لـ مكتب المساهم الأكبر وليست هيئة مستقلة تراقبه.
وهذا التناقض بين ما تعلنه الشركة (من التزام بالحوكمة) وما تمارسه فعليا (تكريس لسيطرة غير المستقلين) يفجر السؤال الأهم: هل هناك أي رقابة حقيقية على الإطلاق داخل هذه المجموعة؟
ثغرة في تقرير الملكية الأردنية.. (صفقة كبرى بلا هوية للمثمن المستقل)..
وتنتقل بنا القصة بعد ذلك إلى صفقة كبرى تمت في بداية عام 2025، وتحديدا في شهر يناير، إذ رفعت (الملكية الأردنية) حصتها في (الشركة الأردنية لتموين الطائرات) من (30%) إلى (51%)، أي بمعنى أنها أصبحت تسيطر على أكثر من نصف أسهم الشركة، وكان ثمن هذه الزيادة ليس نقديا بـ الكامل، بل شمل توقيع (عقد حصري) لـ خدمات تموين المسافرين لمدة تمتد لعشرة أعوام كاملة، حتى عام 2033.

ومعروف أنه في عالم المحاسبة والاستحواذ، تعتبر مثل هذه الصفقة معقدة لأن جزءا كبيرا من المقابل غير نقدي ويمثل (خدمات مستقبلية)، وبـ التالي فإن تحديد (القيمة العادلة) لأصول الشركة المستحوذ عليها يحتاج إلى خبير تقييم مستقل ومعتمد.
وبالعودة الى التقرير المالي الموحد (في الإيضاح رقم 11، الصفحات 130-131) اعترف بأن هذه الصفقة نتج عنها ما يسمى بـ (الشهرة)، وهي الزيادة في قيمة الشركة عن قيمة أصولها الصافية، وقدرها (3,075,000) دينار أردني، أي ما يزيد على ثلاثة ملايين دينار.
إلاّ أن التقرير في إفصاح مشوه أغفل تماما ذكر (هوية المثمن المستقل) الذي قام بهذا التقييم، وهل قام بتقييم الأصول مهندسون تابعون للملكية الأردنية أنفسهم.!!؟ وهل تم الاستعانة بشركة تقييم عالمية ذات سمعة..!!؟ أم أن الرقم (3 ملايين) تم احتسابه بناء على تقديرات داخلية لا تخضع لأي مراجعة خارجية مستقلة؟ والتقرير لا يجيب على هذه التساؤلات، وهذا الصمت في حد ذاته يمثل ثغرة مدوية في الشفافية المالية، خاصة أن قيمة (الشهرة) تؤثر مباشرة على صافي أرباح الشركة وحقوق المساهمين.
ثقب أسود مالي داخل القوائم الموحدة.. أين اختفت قيم عقود الملكية الأردنية؟
لكن ربما أخطر ما يكشفه هذا التحقيق لا يتعلق بـ صفقة واحدة أو بـ شخصين، بل بـ نمط منهجي متكرر، نمط (إخفاء الأرقام الحقيقية لـ العقود الداخلية) خلف جدار القوائم المالية الموحدة، فـ في الصفحة (55) من التقرير السنوي، تعترف الشركة بصراحة بـ أنها أبرمت سلسلة من (الاتفاقيات) مع شركات تابعة، من بينها اتفاقية خدمات واتفاقية سفر مع (شركة الملكية الأردنية للسياحة والسفر – رويال تورز)، واتفاقية توريد موظفين واتفاقية نقل موظفين مع شركة (تكرم) التي تحدثنا عنها سابقا، بـ الإضافة إلى اتفاقية شراء حصة (51%) في شركة التموين التي سبق ذكرها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة يتمثل بـ : كم تبلغ قيمة هذه العقود..!!؟ هل هي بمئات الآلاف أو بالملايين، أو ربما عشرات الملايين من الدنانير..!!؟

والقوائم المالية الموحدة لا تظهر هذه القيم لأنها (تستبعد) بموجب المعيار المحاسبي الدولي رقم (IFRS 10) الخاص بالقوائم الموحدة، والذي يلغي المعاملات بين الشركة الأم وشركاتها التابعة عند إعداد القوائم الموحدة، وطبعا هذا الاستبعاد قانوني من الناحية المحاسبية البحتة، إلاّ أنه من الناحية العملية يخلق (ثقب أسود) معلوماتي، حيث تختفي كميات ضخمة من التدفقات المالية بين كيانات المجموعة من أعين المساهمين والجمهور.
وبعد البحث لم نجد أي ملحق منفصل في التقرير يعيد الكشف عن هذه القيم أو عن آليات التسعير المتبعة فيها، رغم أن قواعد الحوكمة التي تتبناها الشركة في الصفحة (164) تطلب بوضوح إفصاحا موسعا عن (معاملات الأطراف ذات العلاقة)، واختفاء هذه الأرقام يجعل من المستحيل على أي مراقب خارجي أن يحكم إن كانت هذه العقود تمت بـ أسعار السوق أم بأسعار محاباة..!!؟ وهل تم تحويل أرباح من الشركة الأم إلى الشركات التابعة أو العكس بطرق غير شفافة..!!!؟؟
هل أفصح قادة الملكية الأردنية عن تعارض المصالح؟

وفي نهاية هذا العمل الرقمي الاستقصائي، فـ لا يمكن إنهاءه دون العودة إلى قمة الهرم المتمثلة بـ هيكل الملكية والأسهم الشخصية لكبار المسؤولين، فبحسب الصفحة (29) من التقرير نجد أن (شركة إدارة الاستثمارات الحكومية) تمتلك ما نسبته (95.318%) من أسهم الملكية الأردنية، أي (346,603,952) سهما من أصل (363,627,000) سهم، وهذا يعني أن الحكومة هي المالك الفعلي الوحيد تقريبا، لكن عند الانتقال إلى الصفحة (47) من التقرير ذاته، نكتشف أن كلا من رئيس مجلس الإدارة (المهندس سعيد سميح دروزة) ونائبه الرئيس التنفيذي (المهندس سامر عبد السالم المجالي) يمتلكان حصة شخصية قدرها (20,946) سهما لكل منهما، وقد تبدو هذه الحصة صغيرة نسبيا (أقل من 0.01%)، لكنها تضع قادة الشركة في موقع لا يحسدون عليه، فهم يتخذون قرارات بشأن العقود والنفقات والاستثمارات، وهذه القرارات تؤثر بشكل مباشر على سعر سهم الشركة في بورصة عمان، ومن ثم على قيمة استثماراتهم الشخصية.
وطبيعي أنه في نظام حوكمة رشيد، كان يجب على هذين المسؤولين الإفصاح بشكل علني عن امتناعهما عن التصويت في أي قرار يتعلق بعقود الأطراف ذات العلاقة، أو أي قرار يمكن أن يفسر على أنه يحقق لهما مكاسب شخصية، والتقرير السنوي لعام 2025 يخلو تماما من أي إفصاح من هذا القبيل، وهذا الصمت المطبق، في وقت تظهر فيه عشرات الصفحات من التناقضات والتضاربات، لا يترك لـ لقارئ خاصة إن كان صحفي متخصص بالتحقيقات سوى استنتاج واحد يتمثل بـ :
“حوكمة (الملكية الأردنية) لـ عام 2025 لم تكن مجرد (ضعيفة) أو (قاصرة)، بل كانت حوكمة معطلة عن عمد، إذ صممت لـ جعل المراقب والمنفذ والمتعاقد جميعهم في غرفة واحدة، بعيدا عن أعين الجمهور والجهات الرقابية.”
ما تم طرحه في التحقيق من أسئلة ليست موجهة إلى الشركة، بل إلى الجهات التي يفترض أن تراقبها كـ ديوان المحاسبة، وهيئة الأوراق المالية، هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، فها هي ملفات التحقيق بين أيديكم والوثائق معلنة ومنشورة والأرقام محسومة، فـ ماذا تنتظرون بعد..!!؟
ملاحظة صحفية مهنية:
هذا التحقيق مبني على التقرير السنوي لعام 2025 لشركة الخطوط الجوية الملكية الأردنية (قسم علاقات المستثمرين) وعلى سجلات دائرة مراقبة الشركات الأردنية عبر بوابتها الإلكترونية الرسمية (الروابط مرفقة أعلاه)، وجميع الأسماء والأرقام والتواريخ والنسب المئوية المستخدمة واردة في هذه المصادر ويمكن التحقق منها بشكل مستقل.

