ذات صلة

الأكثر قراءة

إلغاء رحلات جوية وإخلاء مفاجئ إثر وضع أمني في مطار هامبورغ

أخلت السلطات الألمانية اليوم الجمعة المنطقة الأمنية في مطار...

شركة أدوية صينية تقاضي البنتاغون بعد إدراجها على القائمة السوداء

رفعت شركة الأدوية والتكنولوجيا الحيوية الصينية “ووشي أب تيك”...

الخارجية الفلسطينية تدين ترحيل الاحتلال صحفية فرنسية وتعتبره انتهاكاً لحرية الإعلام

أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية اليوم الجمعة، قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي منع...

فيضان استثنائي يهدد مناطق سورية على ضفاف الفرات.. وخبراء يستبعدون ارتباطه بالزلازل

عرب سكاي – ايلاف تيسير

تشهد مناطق واسعة على امتداد حوض نهر الفرات في سوريا حالة استنفار مائي، إثر ارتفاع حاد في منسوب المياه أدى إلى غمر أراض زراعية ومناطق سكنية على ضفاف النهر، خصوصا في محافظتي الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف البوكمال، في وقت تزايدت فيه فرضيات شعبية تربط بين هذا الارتفاع واحتمالات حدوث نشاط زلزالي في منطقة تعد من أكثر مناطق الشرق الأوسط حساسية جيولوجيا.


ويرى خبراء أن الفيضان الحالي لا يمكن التعامل معه كحادث محلي معزول، بل بوصفه نتيجة لتداخل عوامل مناخية وهيدرولوجية وجيولوجية، إلى جانب تأثيرات مرتبطة بإدارة السدود في أعالي الحوض، ولا سيما داخل الأراضي التركية.


مدير مرصد الزلازل الأردني في وزارة الطاقة والثروة المعدنية المهندس غسان سويدان أوضح في حديث لـ”عرب سكاي”، إن ما تشهده مناطق الفرات يرتبط أساسا بعوامل هيدرولوجية ومناخية استثنائية، تمثلت في ارتفاع معدلات الهطول المطري في الأحواض العليا للنهر داخل تركيا وشمال سوريا، بالتزامن مع ذوبان كميات كبيرة من الثلوج في جبال الأناضول.


وأوضح أن هذه الكميات الكبيرة من المياه دفعت إلى زيادة التصريف عبر السدود الكبرى، وفي مقدمتها سدا “أتاتورك” و”كركايا”، من خلال فتح بوابات المفيض لتخفيف الضغط على الخزانات والحفاظ على سلامة المنشآت المائية، موضحا إن جزءا من الموجة المائية الحالية لا يرتبط بالأمطار وحدها، بل بتزامن الهطول الغزير وذوبان الثلوج مع قرارات تشغيلية خاصة بإدارة السدود خلال فترات الذروة المائي.

واستبعد سويدان وجود علاقة مباشرة بين الفيضان والنشاط الزلزالي، مؤكدا أن ما يجري “حدث هيدرولوجي ومناخي بحت”، ولا توجد مؤشرات علمية تربطه بأي نشاط زلزالي.

من جانبه رأى مختصون أن ما يعرف بـ”الزلازل المحفزة بالخزانات” ظاهرة موثقة علميا، ويمكن أن تحدث نتيجة تغيرات الضغط الناتجة عن تخزين كميات ضخمة من المياه خلف السدود، غير أن هذه الظاهرة تبقى في العادة، محدودة التأثير، ولا تنتج بالضرورة زلازل مدمرة، بل قد تسهم في تحفيز هزات صغيرة في مناطق نشطة تكتونياً مسبقاً.

وبـ المقابل، قال نقيب الجيولوجيين الأردنيين ورئيس اتحاد الجيولوجيين العرب خالد الشوابكة، إن فيضانات الفرات الحالية تعكس تداخلا بين العوامل المناخية والبنية الجيولوجية للحوض النهري، مشيرا إلى أن مناطق شرق سوريا تقع ضمن نطاق رسوبي واسع يتكون من الطمي والرمال والرواسب الفيضانية، وهي مواد قد تقل فيها النفاذية في بعض المواضع، ما يزيد الجريان السطحي عند ارتفاع كميات المياه.


وأضاف لـ”عرب سكاي”، أن ضعف الانحدار الطبوغرافي في مناطق الرقة ودير الزور والبوكمال يجعل حركة المياه بطيئة نسبيا، الأمر الذي يساهم في توسع نطاق الغمر عند ارتفاع التصريف.

ويؤكد خبراء أن نهر الفرات ينقل سنويا كميات كبيرة من الرواسب من المناطق الجبلية في تركيا، ما يؤدي إلى تراكمها تدريجيا في قاع النهر ورفع منسوبه الفعلي، وهو ما يقلل القدرة التصريفية للمجرى المائي ويزيد احتمالات الفيضان عند أي زيادة مفاجئة في التدفقات، إضافة الى أن التغيرات الطبيعية تلعب دورا في مجرى النهر من ترسيب ونحت وانحناءات وفي توزيع المياه خلال فترات الذروة، خصوصالافي المناطق المنخفضة والقريبة من السهول الفيضية.

ولا تقتصر أسباب هشاشة الوضع على العوامل الطبيعية، إذ ساهم التدخل البشري في زيادة المخاطر عبر التوسع العمراني داخل السهول الفيضية، وتضييق مجرى النهر في بعض المناطق، وتغير أنماط استخدام الأراضي، وتراجع الغطاء النباتي.

ويرى مختصون أن إدارة السدود ولا سيما عند تصريف كميات كبيرة خلال مدد زمنية قصيرة، قد تضاعف آثار الفيضانات في مناطق المصب، حتى إذا كان التصريف نفسه جزءا من إجراءات تشغيلية وقائية تهدف إلى الحفاظ على سلامة المنشآت المائية.

وفي البعد القانوني، يعيد الفيضان الحالي طرح الجدل حول إدارة مياه الفرات بوصفه نهرا عابرا للحدود بين تركيا وسوريا والعراق، وحول مدى الالتزام بمبادئ الإخطار المسبق وتبادل المعلومات وعدم التسبب بضرر جسيم لدول المصب.

وبموجب مبادئ القانون الدولي للمجاري المائية العابرة للحدود، يفترض أن يتم تبادل المعلومات والتشاور المسبق بين الدول المتشاركة في الأحواض المائية الدولية قبل اتخاذ إجراءات قد تؤثر في دول المصب، غير أن تركيا ليست طرفا في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، كما تتبنى تعريفا قانونيا مختلفا، إذ تصف الفرات ودجلة بأنهما “مياه عابرة للحدود” لا “أنهار دولية” بالمعنى الذي تستند إليه سوريا والعراق.

وتشير تقديرات بيئية إلى أن امتلاك تركيا منظومة رصد متقدمة لمستويات الأمطار والثلوج والمخزون المائي يمنحها قدرة على إدارة التدفقات تدريجيا، وهو ما كان يمكن وفق مختصين، أن يقلل من حدة الصدمة الهيدرولوجية في مناطق المصب لو جرى تنسيق أوسع في توقيت الإطلاقات المائية.

وتتركز الجهود حاليا على احتواء الموجة المائية عبر تنظيم عمليات التصريف من السدود والخزانات، بهدف إعادة منسوب النهر إلى الحدود الآمنة وحماية البنية التحتية والمناطق السكنية.

ويرى خبراء أن استمرار غياب إطار ملزم وشامل لإدارة مياه الفرات يجعل عمليات التشغيل والتصريف خاضعة للتفاهمات الثنائية والاعتبارات التشغيلية لكل دولة، أكثر من كونها جزءا من منظومة إدارة موحدة للحوض.

وتعتمد متابعة الوضع خلال الأيام المقبلة على بيانات الرصد الهيدرولوجي والمناخي، وصور الأقمار الصناعية، ونظم الإنذار المبكر، لتقييم تطور التدفقات المائية وانعكاساتها على مناطق المصب.

ودعت الجهات المختصة السكان في المناطق المنخفضة على ضفاف الفرات إلى الالتزام بتعليمات الطوارئ واتخاذ إجراءات السلامة، خصوصا في المناطق المعرضة للغمر أو القريبة من مجرى النهر.

ويعد نهر الفرات واحدا من أطول أنهار غرب آسيا، إذ ينبع من التقاء نهري “قره صو” و”مراد صو” في جبال الأناضول شرق تركيا، ويمر عبر تركيا ثم سوريا فالعراق، قبل أن يلتقي بنهر دجلة لتشكيل شط العرب الذي يصب في الخليج العربي، ولا يمثل الفرات مسارا مائيا فحسب، بل منظومة حياة تعتمد عليها ملايين السكان في مياه الشرب والزراعة والطاقة، إلى جانب مكانته التاريخية بوصفه أحد الممرات التي ساهمت في نشوء أقدم التجمعات الحضارية في المنطقة.