خليل النظامي
كان لدي حلم،، وكنت شغوفا به، ومصرا على تحقيقه مهما كان حجم الخسائر،،، ولم يكن حلما يخصني وحدي،،، بل كان حلما يخص كل من حولي،، فقد حلمت بـ المثالية المفرطة والمدينة الفاضلة وسكانها العظماء بأخلاقهم وعلمهم وعدلهم،،،،
لكن الحلم حين يخرج من دفء الخيال إلى قسوة الواقع، يبدأ في فقدان براءته،،،
اكتشفت أن حلمي لم يتجاوز حتف أنفي،، فمن الأنبياء والرسل وما لقوه من عذاب وتحقير من بني البشر، إلى دماثة خلق أبي بكر الصديق،،، وفصاحة وعدل عمر بن الخطاب،،، وعلم ولسان علي بن أبي طالب،،، وشجاعة خالد بن الوليد،،، أدركت أن الفضيلة لا تكفي وحدها لإصلاح الإنسان،،،
ولم أحتج إلى كثير من التأمل كي أعرف أن هذه القسوة لم تبدأ بي، ولم تقف عند جيلي،، فهناك ابن رشد (قدوتي) الذي أقصي بالقوة،،، إلى ابن خلدون الذي نعت بالصعلكة،،، إلى الصادق النيهوم الذي اغتيل قلمه في شوارع باريس،،، رأيت أن العقل الحر يدفع ثمنه حين يصطدم بسلطة لا تحتمل السؤال،،،،
حتى من ذلك العجوز الذي يطلق عليه الفيلسوف هيراقليطس (الفيلسوف الباكي)، الذي بكى من شدة حزنه على هذا الكوكب واعتزل ما فيه ومات وحيدا في الغابات،، فهمت أن الحكمة لا تمنح صاحبها الطمأنينة دائما،،،
ثم مررت بفرويد ورفيقيه ديكارت ولوك، أباطرة علم النفس الاجتماعي كما أراهم،،، فوجدت أن الإنسان ليس كائنا بسيطا،،، وأن داخله أكثر اضطرابا مما يدعي،، ووصلت إلى الحر الشجاع لينين ورفيقه تروتسكي الذي شبهت قلمه بالسيف الذي لا يصدأ،،، ثم إلى من انقلب عليهم ودمر الكوكب بنظرياته القذرة، الحقير ماركس كما أراه،،
وكلما استزدت من علمهم وعلوم غيرهم،،، ومن كل العلماء والأدباء والأساتذة منذ أزل التاريخ،،، عرفت أن حلمي لم يكن إلا نزوة مراهق لا أكثر ولا أقل،، وعرفت أن ما أطمح إليه كان طموح إله لا طموح بشر،،،،
فكيف أحمل في ذهني حلما إلهيا،،، وأنا مجرد بشر لعقله محدودية الفكر والتدبير بأمر من الخالق..!!!؟ وكيف أطلب مدينة فاضلة من إنسان لم يفهم نفسه بعد..!!؟وما زلت دون مستوى الداهية بيرنيز، الذي قلب مفاهيم الدعاية الاجتماعية والإعلامية رأسا على عقب،،، ولا أمتلك عقلا كعقل ذلك الأسطوري سقراط الذي أفنى عمره في البحث حول غرور الإنسان الفطري،،، ذلك الإنسان الذي يدعي المعرفة أينما حل وارتحل دون أن يعترف بجهله أو يدرك كثيرا من جوانب الحياة،،،
كل ما في جعبتي لا يزيد على عشرين سنة من الخبرة في عدد من شؤون الحياة،، عشتها متلحفا بجميع مخرجات الغرائز البشرية،،، وأطرتها بـ مجموعة من المؤلفات والكتب التاريخية، التي صار كثير مما فيها من مضامين مماسح لـ السيارات، ولفافات سندويشات الفلافل لـ المراهقين السذج،،،
وحين طال تأملي في الإنسان،،، لم يعد السؤال عن الحكمة وحدها،،، بل عن الشر الذي يعطلها كلما اقتربت من الحياة،، فقد استدللت من المضحك الداهية (فلوكي) أن الشيطان ليس هو المصدر الرئيسي لـ الشر الذي نتعرض له بشكل يومي، وأن فعل الخير في أصله كان فكرة لـ الشر لكنها لم تمارس بشكلها الصحيح،، واستخلصت من ذلك أن العقل البشري هو المصدر الرئيس لإنتاج منظومة الشر البشري،،، وأن النفس الأمارة بالسوء والضمير الميت هما الموجه والمسير لهذا الشر،،، كما تدبرت بـ عقلي أن الحظ مفهوم عجز إنساني،،، ولا وجود واقعيا ملموسا أو محسوسا له،، فهو وهم يرقد في ذهن كل عاجز،،،
ومن هنا بدأت تتساقط أمامي أوهام كثيرة،، ووجدت أن مفهوم الاستقرار فناء وعدمية،،، وأن كل شيء قابل لـ التغير إلا التغيير ذاته لأنه أصل كل متغير كما قال الباكي،،، ورأيت بأم عيني أنه ما من بشري يتجبر على غيره إلا لذلة وخسة وجدها في نفسه،، وأن المرء يوزن بقوله ويقوم بفعله،، وأنه ما من أحد يواجه رخاء مطلقا دون أن يكون قد تعرض إلى خطر كبير في رحلة حياته،،،
وبت أشعر أنني كمن ينطبق عليه وصف الأديب جيمس حين رماه على عباءة شكسبير بقوله: “وليام شكسبير أعظم عملية احتيال مورست في عالم مصاب بمرض لا شفاء منه”،، عندها أدركت أن حتى العبقرية لا تسلم من الشك،،، وأن الرموز الكبرى لا تعيش خارج محاكمة الإنسان لها،،،
وبعد كل ذلك،،، لم تعد الحكمة فكرة أبحث عنها في الكتب،، صارت غائبة أناديها كلما ضاق الواقع بما أعرفه عنه.
رافقتك السلامة أيتها الحكمة،، نامي في مرقدك هادئة،، فقد تعبت من البحث عنك في كتب أنهكها الغبار، وفي وجوه غلبتها المصالح، وفي أوطان ضاقت بالعلم واتسعت للجهل،،
أما أنا، فسأبقى أحمل ما تبقى من حلمي، لا بوصفه مدينة فاضلة، ولا وعدا بالخلاص، بل شاهدا على أن الإنسان لا يهزم حين يخسر حلمه الأول، بل حين يكف عن تهذيب حلمه بما تعلمه من الألم،،
سأغادر وهم المثالية،،، ليس خيانة لها بل احتراما لثقلها،، وسأقبل أن أكون بشرا محدودا يحاول أن يقلل جهله ويصون قوله بفعله ويزرع في غربته وطنا صغيرا من علم وكرامة،،، فـ العلم في الغربة وطن،،، والجهل في الوطن غربة،،

