ذات صلة

الأكثر قراءة

مبادرة باكستان تختبر فرص التهدئة بين إيران وواشنطن وسط رهانات على تجميد الصراع

في تطور متسارع يعكس حساسية المرحلة، تتجه الأنظار اليوم إلى المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، حول المبادرة التي طرحتها باكستان لوقف التصعيد، وتأتي هذه المحادثات وسط ضغوط زمنية حاسمة للتوصل إلى اتفاق فوري يوقف الأعمال القتالية ويعيد فتح مضيق هرمز، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ بداية التصعيد الأخير.

تركز المباحثات على صياغة آلية تنفيذ واضحة لوقف إطلاق النار، مع بحث خطوات لاحقة تمهد لمسار تفاوضي أوسع خلال الأيام المقبلة، وتظل مواقف الأطراف حذرة، بينما يترقب المجتمع الدولي نتائج هذه الساعات الحاسمة، في وقت يمكن أن تحدد فيه هذه الجولة مصير التصعيد الحالي ومستوى الأمن الإقليمي في المنطقة.

في هذا السياق، يرى الخبير العسكري اللواء المتقاعد، هلال الخوالدة، أن المبادرة التي طرحتها باكستان لوقف التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تمثل محاولة لإدخال عامل توازن دبلوماسي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، إذ يقترب مسار التوتر من عتبة يصعب التحكم بها، خاصة في حال انتهاء المهلة التي وضعها دونالد ترامب، وفي ظل تشابك المسار العسكري مع معادلات الطاقة والأمن البحري، إضافة إلى التهديدات المتبادلة بين الأطراف.

وأوضح الخوالدة في حديثه لـ “عرب سكاي”، أن المبادرة من حيث المبدأ، تستند إلى عناصر يمكن البناء عليها، أبرزها وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، مؤكدا انهما مطلبان يحظيان بقبول دولي واسع، نظراً لارتباطهما المباشر باستقرار الاقتصاد العالمي، إلا أنه أكد أن التحدي الجوهري لا يكمن في صياغة البنود، بل في قابلية الأطراف للالتزام بها، في ظل انعدام الثقة، لا سيما من الجانب الإيراني، مشيراً إلى وجود تباين واضح في تعريف كل طرف لمفهوم التهدئة وشروطها.

وأضاف، إيران تتوجس من عودة القتال، استناداً إلى نماذج سابقة في لبنان وغزة، إذ تنظر إلى التصعيد كأداة ردع ووسيلة لتثبيت معادلات اشتباك جديدة، خاصة فيما يتعلق بحرية حركتها الإقليمية وأوراق الضغط المرتبطة بالممرات البحرية، وفي المقابل، أوضح أن الولايات المتحدة تسعى إلى احتواء التأثير الإقليمي لإيران دون الانجرار إلى حرب واسعة، مع الحفاظ على حرية الملاحة وإعادة فرض قواعد اشتباك أكثر صرامة، لافتاً إلى أن هذا التباين يجعل أي اتفاق عرضة للاهتزاز السريع ما لم يترجم إلى تفاهمات أعمق تتجاوز الإطار التكتيكي.

وفي سياق متصل، بين الخوالدة أن نجاح المبادرة، حتى بشكل جزئي، قد يؤدي إلى ما يمكن وصفه بتجميد التصعيد، أي خفض وتيرة العمليات دون معالجتها جذرياً، وهو سيناريو يمنح الأطراف فرصة لإعادة التموضع سياسياً وعسكرياً، كما يسهم في الحد من المخاطر الفورية المرتبطة بأسواق الطاقة وإعادة فتح قنوات التفاوض، مشددا على أن هذا التطور يبقى هشاً وقابلاً للانهيار عند أي خطأ ميداني أو خرق محتمل.

أما في حال فشل المبادرة، فقال إن المنطقة مرشحة للدخول في مرحلة التصعيد المضبوط، إذ تستمر الضربات المحدودة والرسائل العسكرية المتبادلة دون الوصول إلى مواجهة شاملة، موضحا أن هذا النمط من الصراع، رغم أنه يبدو أقل خطورة، إلا أنه قابل للانزلاق غير المقصود، خاصة في بيئة عملياتية معقدة ومتشابكة، لا سيما من الجانب الإيراني.

واختتم الخوالدة بالقول إن المبادرة لا تبدو حلاً نهائياً بقدر ما هي أداة لإدارة الأزمة، ومحاولة لإدخال شراكة إقليمية تهدف إلى منع الانزلاق نحو صراع مفتوح، في ظل تعقيدات المشهد وتضارب المصالح بين الأطراف.

من جهتها، ترى أستاذة العلوم السياسية، الدكتورة أريج جبر، أن المبادرة التي تقدمت بها باكستان تمثل محاولة جدية لاحتواء لحظة انزلاق خطيرة في الإقليم، خاصة أنها لم تأتِ بمعزل عن سياق أوسع من الاتصالات والاجتماعات التي ضمت قوى إقليمية مؤثرة كتركيا والسعودية ومصر، وتقاطعت مع حراك صيني داعم لخفض التصعيد، مشيرة الى أن هذا ما يعكس إدراكاً متقدماً بأن ما يجري لم يعد مجرد اشتباك ثنائي بين طهران وواشنطن، بل بات صراعاً قابلاً للتدويل، خصوصاً بعد أن نجحت إيران في نقل المعركة من بعدها العسكري إلى بعدها الاقتصادي العالمي عبر ورقة الممرات المائية، ورفع كلفة الاشتباك ليس فقط على الولايات المتحدة، بل على الاقتصاد الدولي ككل.

ومع ذلك، فإن هذه المبادرة، رغم أهميتها، تعاني من فجوة بنيوية واضحة بينها وبين الرؤية الإيرانية، فطهران لم تكن منذ البداية تبحث عن تهدئة مؤقتة أو استراحة محارب، بل عن ما تسميه صراحة اتفاق الفرصة الأخيرة، أي اتفاق شامل ونهائي يتم في مرحلة واحدة، يعيد صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة ضمن قواعد جديدة، لا ضمن ترتيبات مرحلية قابلة للانهيار، هذا الموقف ليس تكتيكياً فقط، بل يعكس قراءة إيرانية لتجارب سابقة، إذ ترى أن الاتفاقات الجزئية أو المرحلية كانت تستخدم كأدوات لامتصاص الضغط، ثم العودة إلى سياسة الاحتواء والتصعيد لاحقاً.

وتابعت جبر في حديثها لـ “عرب سكاي”، أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في وقف إطلاق النار بحد ذاته، بل في طبيعة الصفقة التي ستلي هذا الوقف، فإيران تنظر إلى أي مبادرة تبدأ بوقف النار ثم تنتقل لاحقاً إلى التفاوض على أنها محاولة لسحب أوراق الضغط منها قبل الدخول في مفاوضات حقيقية، وتشمل هذه الأوراق السيطرة غير المباشرة على مفاصل حساسة في الإقليم، وعلى رأسها مضيق هرمز، إضافة إلى القدرة على توسيع نطاق الاشتباك إقليمياً، والحفاظ على قدراتها الصاروخية التي أثبتت، وفق تقديرات متعددة، أنها ما زالت تحتفظ بجزء كبير من فعاليتها الردعية.

في المقابل، وضحت جبر أن الولايات المتحدة تتحرك ضمن إطار مختلف، إذ لا تسعى في هذه المرحلة إلى حل الصراع جذرياً، بل إلى إدارته ومنع خروجه عن السيطرة، مبينة أن هدفها الأساسي يتمثل في احتواء التصعيد، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وحماية حلفائها في الخليج، إلى جانب امتصاص الخسائر التي تكبدتها على المستويين الميداني والرمزي، بمعنى آخر، تسعى واشنطن إلى تهدئة تكتيكية تتيح لها إعادة ترتيب أوراقها دون تقديم التزامات استراتيجية كبيرة.

أما المبادرة الباكستانية، فتقع بين هذين المنطقين؛ فهي من حيث المبدأ تهدف إلى منع الانفجار وليس إلى حل جذور الصراع، وتكمن قوتها في قدرتها على جمع أطراف متعددة حول هدف خفض التصعيد، لكنها تفتقر في المقابل إلى عنصر حاسم يتمثل في أدوات الإلزام، إذ إن باكستان، رغم دورها كوسيط نشط، لا تمتلك القدرة على فرض شروط أو ضمان تنفيذ اتفاق على أي من الطرفين.

ورجحت جبر ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة، يتمثل الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، في نجاح جزئي للمبادرة عبر وقف إطلاق نار محدود زمنياً وتهدئة تدريجية في مضيق هرمز، مع إطلاق مسار تفاوضي أوسع، وهو سيناريو أقرب إلى تجميد الصراع منه إلى حله، أما المسار الثاني، فيتمثل في فشل المبادرة، بما قد يقود إلى تصعيد مفتوح يتجاوز البعد الثنائي نحو أزمة إقليمية أوسع ذات تداعيات اقتصادية وعسكرية عالمية، في حين يبقى المسار الثالث، وهو الأقل احتمالاً، مرتبطاً بإمكانية تطوير المبادرة إلى اتفاق شامل بضمانات دولية، وهو ما يتطلب تحولاً في الموقف الأمريكي باتجاه إعادة صياغة قواعد الصراع.

وتخلص جبر إلى أن المبادرة تعكس وعياً بخطورة المرحلة، لكنها تصطدم بتباين عميق في أهداف الأطراف، حيث تسعى إيران إلى اتفاق شامل يعيد تشكيل قواعد الاشتباك، في حين تركز الولايات المتحدة على احتواء التصعيد ضمن الإطار القائم، ما يجعل المبادرة أقرب إلى أداة لوقف النزيف، لا إلى حل نهائي للأزمة.

ومن جانب آخر، يرى المحلل السياسي والأمني محسن الشوبكي أن واقعية المبادرة الباكستانية تعتمد على قدرة إسلام آباد على توظيف موقعها كوسيط يمتلك قنوات اتصال موثوقة مع واشنطن وطهران في آن واحد، مشيرا إلى أن وضع مضيق هرمز كحجر زاوية في المبادرة يعكس ذكاءً سياسياً، نظراً لارتباطه بمصالح القوى الكبرى وحركة التجارة العالمية، ما يشكل عامل ضغط يدفع الأطراف للتعامل بجدية مع المقترح لتجنب تداعيات اقتصادية واسعة.

ولفت الشوبكي في حديثه لـ “عرب سكاي”، إلى أن هذه الواقعية تبقى مرهونة بقدرة الوسيط على تقديم ضمانات أمنية ملموسة تتجاوز الوعود، خاصة في ظل انعدام الثقة المتراكم بين الأطراف.

كما توقع انه في حال نجاح المبادرة، أن ينعكس ذلك بشكل مباشر على تبريد الجبهات المشتعلة في المنطقة، مع تراجع وتيرة العمليات العسكرية في الممرات المائية والمواقع الاستراتيجية، بما يمنح الولايات المتحدة فرصة لخفض التصعيد دون الظهور بمظهر المتراجع، ويتيح لإيران متنفساً اقتصادياً وسياسياً قد يفتح الباب أمام معالجة ملفات أخرى عالقة.

أما في حال فشلها، حذر الشوبكي من انتقال المنطقة إلى مرحلة الصدام المباشر الذي قد يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، قد تلجأ واشنطن إلى تكثيف وجودها العسكري لحماية الملاحة، مقابل توجه إيراني نحو خيارات أكثر حدة، بما في ذلك تسريع برامجها الحساسة كأدوات ضغط، الأمر الذي يرفع احتمالات اندلاع مواجهة إقليمية واسعة.

واختتم الشوبكي بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة تمثل اختباراً حقيقياً بين إرادة التهدئة واستراتيجية حافة الهاوية، مؤكداً أن نجاح المبادرة لا يرتبط فقط بوقف إطلاق النار، بل بمدى قدرة الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة تعيد صياغة التوازنات في المنطقة وتمنع العودة إلى دائرة التصعيد من جديد.