ذات صلة

الأكثر قراءة

إلغاء رحلات جوية وإخلاء مفاجئ إثر وضع أمني في مطار هامبورغ

أخلت السلطات الألمانية اليوم الجمعة المنطقة الأمنية في مطار...

شركة أدوية صينية تقاضي البنتاغون بعد إدراجها على القائمة السوداء

رفعت شركة الأدوية والتكنولوجيا الحيوية الصينية “ووشي أب تيك”...

الخارجية الفلسطينية تدين ترحيل الاحتلال صحفية فرنسية وتعتبره انتهاكاً لحرية الإعلام

أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية اليوم الجمعة، قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي منع...

الاتحاد الأوروبي يخشى من تحول المغرب الى بوابة لصادرات الصين

عرب سكاي – المغرب – حفيظي كبيرة

تجمع المغرب والصين شراكة استراتيجية متجذرة تستند الى التوافق السياسي والاحترام المتبادل، وقد صارت المملكة وجهة رئيسية للاستثمارات الصينية في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا، والتي تعززت بشكل ديناميكي بفضل الزيارات الملكية، لتشمل محاور التعاون الاقتصادي والصناعي والسياحي، في الوقت الذي يسعى فيه المغرب الى تعزيز مكانته لوجستيا بين افريقيا وأوروبا.

تواصل المملكة المغربية، تعزيز تعاونها الاقتصادي مع الصين منذ انضمامها الى مبادرة الحزام والطريق سنة 2017، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي، إضافة الى البنية التحتية الصناعية المتطورة والطاقة المتجددة واليد العاملة المؤهلة، التي تتوفر عليها المملكة المغربية.

توسع الاستثمارات الصناعية الأجنبية في المملكة المغرب يقلق الاتحاد الأوروبي خصوصا في مجالات السيارات الكهربائية والبطاريات ومكونات السيارات، اذ تعد الصين ثالث أكبر بلد مستثمر في المملكة المغربية، وشريك استراتيجي، مع خشية أن يتحول المغرب الى قاعدة انتاج، ومنصة صناعية ولوجستية تنافسية لغزو الأسواق الأوربية.

وفي السياق، قال رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية الدكتور محمد الطيار، تتمثل الدوافع وراء تزايد تخوف الاتحاد الأوروبي بشكل كبير من تنامي الاستثمارات الصينية في المغرب، ويرى فيها استراتيجية ذكية من بكين للالتفاف على السياسات الحمائية والرسوم الجمركية العقابية التي تفرضها بروكسل، ففي الوقت الذي يسعى فيه الأوروبيون لحماية صناعاتهم المحلية عبر فرض قيود مشددة على السلع القادمة مباشرة الصين.

وأضاف في حديثه ل ’’ عرب سكاي’’، أن المصانع الصينية المستقرة في المغرب تتيح لبكين تصنيع هذه السلع وتصديرها إلى الأسواق الأوروبية بأقل كلفة وضمن إطار اتفاقيات التبادل الحر، وأن هذا القلق يتعاظم تحديدا في قطاع السيارات الكهربائية والبطاريات، حيث يخشى الاتحاد الأوروبي من أن يؤدي تدفق السلع الصينية ذات الكلفة التنافسية المصنعة على أعتاب القارة إلى إغراق أسواقه وتقويض تنافسية شركاته المحلية.

ونوه الى أن الواقع الاقتصادي ينفي فكرة أن المغرب مجرد بوابة عبور أو محطة ترانزيت لتصريف المنتجات الصينية نحو أوروبا، فالرباط تفرض شروطا صارمة والتزامات قانونية لضمان تحقيق نسبة إدماج محلي عالية جدا، داخل منظومتها الصناعية قبل السماح بتصدير أي منتج بشهادة منشأ مغربية، وتتجسد هذه الرؤية في المشاريع الصينية العملاقة التي يتم تشييدها حاليا مثل المصانع الضخمة لإنتاج بطاريات الليثيوم والمكونات الحيوية للسيارات في مدن مثل القنيطرة وطنجة.

وتابع أن هذه الاستثمارات تساهم في توطين التكنولوجيا المتقدمة، وخلق آلاف الوظائف الدائمة للشباب المغربي، مما يثبت أن المملكة تفرض نفسها كمنصة إنتاجية حقيقية ذات قيمة مضافة متبادلة وليس مجرد ممر صامت للبضائع.

وأشار الطيار، أن بالنسبة للجانب الصيني، فإن حرصه على تعميق الشراكة مع المغرب ينبع من حسابات جيوسياسية واقتصادية بالغة الأهمية، فالصين تجد في المغرب موقعا جغرافيا استثنائيا يختصر مسافات الشحن نحو القارة الأوروبية والإفريقية، مدعوما ببنية تحتية لوجستية من الطراز العالمي مثل ميناء طنجة المتوسط، وفوق ذلك، تمثل اتفاقيات التجارة الحرة التي يمتلكها المغرب مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ورقة رابحة للشركات الصينية للنفاذ إلى أسواق استهلاكية ضخمة دون عوائق، يضاف إلى ذلك كله توفر المغرب على موارد طبيعية حيوية كالفوسفات والمعادن الأساسية، فضلا عن ريادته في قطاع الطاقة المتجددة الشمسية والريحية، مما يتيح للمصانع الصينية إنتاج سلع خضراء منخفضة الكربون تفي بالمعايير البيئية الأوروبية الصارمة وتتجنب ضرائب الكربون المستقبلية.

ومن جانبه، قال رئيس المركز المغربي لحقوق الانسان ودكتور الباحث في الاقتصاد عبد الإله الخضري،في قراءة جيواقتصادية للمشهد الراهن، أعتقد أن المخاوف الأوروبية (والفرنسية على وجه الخصوص) من التقارب المغربي الصيني لا تنطلق من فراغ، بل تتحرك في مربع معقد يمزج بشكل لافت بين التوجس الاقتصادي والقلق الجيوسياسي، فالاتحاد الأوروبي ينظر إلى شمال إفريقيا، والمغرب تحديدا، بوصفه حديقة خلفية حيوية وعمقا إستراتيجيا لنفوذه؛ حيث بلغت الصادرات المغربية إلى الاتحاد الأوروبي ما يزيد عن 26 مليار يورو (نحو 28 مليار دولار)، مما يفسر حجم الذعر الأوروبي من قفزة الاستثمارات الصينية المخطط لها في المملكة، والتي تجاوزت عتبة 10 مليارات دولار، منها نحو 6 مليارات دولار ضخت في قطاع السيارات وسلاسل توريد البطاريات الكهربائية وحدها منذ فترة ما بعد الجائحة.

وأكد في تصريحه ل ’’ عرب سكاي’’ أن هذا التدفق الرأسمالي الضخم يعيد صياغة موازين القوى ويقلص الهيمنة الأوروبية التقليدية، لاسيما مع دخول شركات صينية عملاقة في قطاعات حيوية، وهو ما يسحب البساط من تحت أقدام الفاعلين الأوروبيين الذين باتوا يجدون صعوبة بالغة في مضاهاة التنافسية الصينية من حيث الكلفة وسرعة الإنجاز. وينضاف إلى ذلك توجس إستراتيجي أعمق يكمن في خشية بروكسيل من الالتفاف على القيود التجارية؛ إذ يفرض الاتحاد الأوروبي حاليا رسوما جمركية مشددة تصل إلى 45% على السيارات الكهربائية القادمة مباشرة من الصين، ويخشى قادته أن يتحول المغرب، عبر منظومة “الحزام والطريق”، إلى نقطة ارتكاز متقدمة عند مضيق جبل طارق تستخدم كمنصة لوجستية للالتفاف الذكي وتصريف فائض الطاقة الإنتاجية الصينية إلى قلب القارة العجوز.

ورجح الخضري أن أمام هذا التوجس، يسقط البعض في فخ توصيف قاصر يتجاوزه الواقع الإستراتيجي، بادعاء أن المغرب مجرد “بوابة خلفية” أو محطة ترانزيت (Transit) عابرة لإعادة تصدير السلع الصينية دون قيمة مضافة؛ وهو طرح يفنده الواقع، باعتبار أن المغرب بات يتمتع برؤية اقتصادية تعيها بكين جيدا، والسر هنا يكمن في معادلة الاندماج الصناعي المفروض جمركيا؛ فالاستثمارات الصينية فوق التربة المغربية، لا تقوم على ورشات تجميع بسيطة، بل تؤسس لنقل فعلي للتكنولوجيا، ويتجلى ذلك في مشروع المدينة الصناعية محمد السادس طنجة تيك، التي تستضيف حاليا زهاء 12 شركة صينية عملاقة  مثل مصنع كوابح السيارات APG   باستثمار قيمته 70 مليون دولار، ومصنع شركة BTR للمواد المكونة للبطاريات)، إلى جانب الـ جيغا فاكتور (Gigafactory)الضخم الذي تبنيه شركة Gotion High-Tech في القنيطرة باستثمار ضخم يبلغ 1.3 مليار دولار.

وشدد أن هذا الاندماج الهيكلي تفرضه اتفاقيات التجارة الحرة التي تربط المملكة ببروكسيل وواشنطن، والتي تفرض نسب دمج محلي (taux d’intégration) صارمة لا يمكن التنازل عنها للاستفادة من الإعفاءات الجمركية، هذا الواقع يجبر الرأسمال الصيني على خلق قيمة مضافة مغربية حقيقية، ويبرهن على نجاح الرباط في إدارة علاقاتها ببراعة كقوة إقليمية مستقلة تستخدم الاستثمار الآسيوي لتطوير نسيجها الصناعي وتنويع شركائها، مع الحفاظ الذكي على وضعها المتقدم مع الغرب.

وعبر أنه في المقابل، لم يكن حرص بكين على تعميق هذه الشراكة وليد الصدفة، بل يتحرك بناء على حسابات إستراتيجية فائقة الدقة للدبلوماسية الاقتصادية الصينية؛ فالصين ترصد في المغرب موقعا جيوسياسي فهنا تلتقي فيه عبقرية المكان بين ثلاث قارات، مدعوما ببنية لوجستية عالمية يقودها ميناء ‘طنجة المتوسط’ (الأكبر إفريقيا ومتوسطيا بسعة معالجة تتجاوز 9 ملايين حاوية سنويا)، وميناء “الداخلة الأطلسي” الواعد، وفضلا عن هذا الموقع.

وأردف أن المغرب برز في منطقة مضطربة كـ “واحة استقرار” سياسي ومناخ استثماري جاذب، مدعوما بشبكة من 50 اتفاقية تجارة حرة تمنح المنتجات المصنعة فوق أراضيه تذكرة مرور حرة لأسواق تضم أزيد من 2.5 مليار مستهلك، بما فيها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA). تتيح هذه الشبكة للشركات الصينية تفادي الحواجز الجمركية الغربية، والهروب من ضرائب الكربون الأوروبية المستقبلية عبر استغلال الطاقات النظيفة للمملكة.

ونوه الخضري، بريادة المغرب المطلقة في قطاعات المستقبل؛ فبكين، كقائد عالمي لثورة الانتقال الطاقي، ترى في المغرب، الذي يتحوز على أزيد من 70% من الاحتياطي العالمي للفوسفاط الأساسي في بطاريات ” LFP  “وتستهدف بناء سلسلة توريد متكاملة لتجهيز 500 ألف سيارة كهربائية سنويا بحلول نهاية عام 2026، شريكا إستراتيجيا لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف في هذا السياق أن، تأسيسا على هذه الأرقام، يمكن القول أن الشراكة المغربية -الصينية، ليست مجرد تحالف تجاري عابر، بل هي تلاقٍ مصلحي إستراتيجي عميق؛ فبينما تبحث الصين عن موطئ قدم آمن، مستقر، ومفتوح على الأسواق العالمية الكبرى لتصريف إمكاناتها المعرفية والصناعية، يجد المغرب في التنين الصيني رافعة مالية وتكنولوجية نوعية لتسريع طموحه المشروع في التحول إلى قطب صناعي وتكنولوجي دولي، متحررا بثقة من صيغ الارتهان الاقتصادي التقليدي لشركائه الشماليين.