عرب سكاي – خليل النظامي
من 2.4 إلى 3.1 مليون برميل يوميا، البحر الأحمر يعزز فرصة السودان الاقتصادية
إعادة توزيع النفوذ البحري، لماذا ترتفع قيمة الموانئ السودانية الآن ؟
يشهد البحر الأحمر تحولات سريعة في وظيفته الاقتصادية والاستراتيجية، بعد أن دفع التصعيد العسكري في المنطقة إلى تغيير مسارات الطاقة والتجارة ورفع قيمة الموانئ القريبة من خطوط العبور.
وفي قلب هذا التحول، تبرز السودان بوصفها دولة تملك موقعا بحريا قادرا على نقلها من هامش المعادلة إلى مركزها، إذا نجحت في تحويل ساحلها وموانئها إلى نقطة خدمة وربط في واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم، وما يجري في البحر الأحمر لم يعد تطور عابر في سوق الطاقة العالمي، بل بات تحول يفرض إعادة النظر في خريطة التجارة الإقليمية والدولية.

ومع تعثر الملاحة عبر مضيق هرمز فقد ارتفع الاعتماد على المسار الغربي السعودي، وتكدست عشرات الناقلات قرب ينبع، فيما قفزت صادرات النفط عبر البحر الأحمر من نحو 2.4 مليون برميل يوميا إلى 3.1 مليون، مع هدف معلن يقترب من 5 ملايين برميل يوميا وفقا لوكالة بلومبرج الاقتصادية.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد تعديل فني في مسارات الشحن، وانما تشير إلى انتقال البحر الأحمر من ممر ثانوي إلى شريان رئيسي للطاقة في وقت اضطراب عسكري حاد وخطير.
وفي إطار هذا التحول، تبرز السودان بوصفها طرف مؤهل للتموضع في قلب المعادلة الجديدة، خاصة انها تمتلك نحو 800 كيلومتر من الساحل على البحر الأحمر يقع في نقطة تتوسط خط الملاحة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
وطبعا هذه ميزة لا تقاس بالجغرافيا وحدها، بل بما تتيحه من وظائف لوجستية تستطيع تقديمها في أوقات الضغط البحري، فكل ازدحام في حركة الناقلات يرفع الطلب مباشرة على خدمات التموين، والتخزين والصيانة والإصلاح والدعم البحري.
وعندما تتعرض الموانئ التقليدية المعروفة للضغط أو التعطل، تصبح الموانئ القريبة من خطوط العبور جزء من الحل الاقتصادي، لا مجرد موانيء محلية محدودة الأثر، ومن هنا، تبدو الفرصة السودانية واضحة، فإذا جرى تطوير الموانئ السودانية، وتهيئة البنية التشغيلية والخدمات المرتبطة بها، فإنها تستطيع أن تتحول إلى مركز لوجستي فاعل على البحر الأحمر، وإلى بوابة بحرية تربط شرق إفريقيا بالأسواق الآسيوية والأوروبية.

وهذا استنتاج يفرضه منطق السوق عندما يعاد توزيع الحركة البحرية تحت ضغط الأزمات والحروب الدامية، فالموقع السوداني خاصة في لحظة كهذه، ليس عنصر ساكن وانما يمثل أصل استراتيجي قابل التحول إلى نفوذ اقتصادي عظيم وكبير.
وفي المقابل، فإن أي مشروع يسعى إلى إخراج السودان من معادلة البحر الأحمر، أو إضعاف حضوره في موانئه وسواحله، يواجه اليوم واقع مغاير، فتعطل بعض موانئ الخليج، واختناق المسارات التقليدية، وارتفاع قيمة البدائل، كلها عوامل تدفع باتجاه إعادة ترتيب الأولويات في هذا الممر الحيوي، وهذا ما يفسر القلق من احتمال صعود السودان بوصفها فاعل بحري وخدماتي إذا أحسن استثمار موقعه.
ولا يقتصر هذا التحول على حركة السوق وحدها، بل تؤكده أيضا مؤشرات القرار الدولي وخطاب القوى الكبرى، ففي 15 مارس 2026 قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه طلب من نحو سبع دول الانضمام إلى جهد لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، في إشارة واضحة إلى أن أمن هذا المسار بات ملف دولي مفتوح على إعادة الاصطفاف السياسي والعسكري.

وعندما ينتقل ممر بحري من نطاق الإدارة التجارية إلى مستوى الحشد الدولي، فإن قيمة الممرات البديلة والموانئ القريبة منها ترتفع تلقائيا في حسابات الدول والشركات معا.
وهذا المعنى تعززه أيضا تقديرات قطاع الطاقة نفسه، فإدارة معلومات الطاقة الأميركية وصفت مضيق هرمز بأنه أحد أهم نقاط اختناق النفط في العالم، وأكدت أن البدائل المتاحة لنقل الخام عند تعطله تظل محدودة، وهذه الحقيقة تفسر لماذا لم يعد البحر الأحمر مجرد مسار إضافي، بل تحول إلى مساحة اقتصادية تتضخم قيمتها كلما ضاقت الخيارات الأخرى، وفي مثل هذا الظرف، تصبح الموانئ السودانية جزءا من معادلة أوسع، لأن ارتفاع أهمية البحر الأحمر يرفع بالضرورة وزن كل ميناء قادر على تقديم خدمة لوجستية على هذا الخط الحيوي.
ومن جهة أخرى، فإن ما صدر عن كبار مشغلي الموانئ ينسجم مع هذا الاتجاة، فقد نقلت رويترز عن الرئيس التنفيذي لشركة “دي بي وورلد” “نارايان”، أن موانئ البحر الأحمر مرشحة لاستقبال حركة إضافية بسبب الأزمة وتعطل الوصول إلى بعض موانئ الخليج، ودلالة هذا التصريح أنه يصدر عن فاعل يعمل في قلب سلاسل الإمداد العالمية، ويراقب حركة السفن والتدفقات التجارية على الأرض، وهذا يعني أن السوق نفسها بدأت تعيد تقييم موانئ البحر الأحمر بوصفها نقاط امتصاص للضغط وإعادة توزيع للحركة.
وبالمنطق نفسه، فإن مدينة “بورتسودان” السودانية تستطيع أن تتحول من ميناء يخدم الداخل السوداني فقط إلى أصل إقليمي ترتفع قيمته كلما طال أمد الاضطراب في الممرات التقليدية.
الخلاصة ؛ أن الحرب الأمريكية الاسرائيلية الإيرانية لم تغير فقط مسارات النفط، بل أعادت توزيع القيمة الجيوسياسية للموانئ والممرات، وفي هذا التحول، يتضح أمامنا ان السودان أمامها فرصة نادرة، واذا توفرت الإرادة والرؤية، فلن يبقى مجرد بلد يتعامل مع أزماته الداخلية، بل سيصبح جزء مؤثر في الاقتصاد البحري للمنطقة، وفي إعادة رسم التوازنات على واحد من أهم الممرات التجارية في العالم.


