ذات صلة

الأكثر قراءة

الجيش يحبط 3 محاولات تهريب كمية كبيرة من المواد المخدرة بواسطة بالونات

أحبطت المنطقة العسكرية الشرقية فجر السبت، على واجهتها ثلاث...

الأردن يدين الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على الإمارات الشقيقة

دان الأردن اليوم الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على دولة الإمارات...

 ارتفاع على درجات الحرارة وطقس دافئ في أغلب المناطق السبت

يطرأ اليوم السبت، ارتفاع قليل على درجات الحرارة ويكون...

خطة أمنية لضمان وصول الحجاج إلى الديار المقدسة بكل يسر وسهولة

عرب سكاي - أكد مدير إدارة الإقامة والحدود العميد...

بين القانون وبيئة العمل، نساء الأردن في مواجهة التمييز الوظيفي

شهادات ميدانية وأرقام رسمية تكشف فجوة بين نصوص المساواة وواقع العاملات في الأردن

عرب سكاي -الاف تيسير

تكشف شهادات ميدانية لنساء عاملات في الأردن عن أنماط متكررة من التمييز الوظيفي داخل بيئات العمل، تشمل تفاوتا في الأجور، وتشديدا في الرقابة، وفرصا غير متكافئة في الترقية والمعاملة، وتظهر هذه الشهادات فجوة واضحة بين النصوص القانونية التي تؤكد المساواة، والممارسات اليومية داخل مؤسسات العمل.

وتكتسب هذه القضية بعدا أوسع إذا قرئت في ضوء تركيبة المجتمع وسوق العمل، فالإناث شكلن 47.1 بالمئة من إجمالي السكان في الأردن عام 2024، لكن حضورهن في سوق العمل ما يزال محدودا، ما يعكس فجوة بين الوزن السكاني والمشاركة الاقتصادية.

رهف (اسم مستعار) عاملة في أحد مراكز العلاج الطبيعي، وتعيش تجربة مهنية تعكس هذا التناقض بوضوح، تقول إن طبيعة العمل ليست المشكلة بحد ذاتها، بل ما يرافقها من رقابة مضاعفة على أدائها مقارنة بزملائها الذكور.

وتضيف لـ”عرب سكاي”، نشعر أننا تحت مجهر دائم، بينما تمر أخطاء الآخرين دون ملاحظة.

ولا يتوقف الأمر عند الرقابة، بل يمتد إلى الجوانب المالية، وتشير إلى وجود فروق في الرواتب رغم أداء المهام نفسها، إضافة إلى تأثير العلاقات داخل المؤسسة على توزيع الامتيازات.

وفي ما يتعلق بالترقيات، تؤكد أن المناصب الإشرافية تذهب غالبا إلى الذكور بشكل شبه تلقائي، حتى قبل طرح الأسماء للنقاش، وتقول إن الكفاءة لا تكون دائما العامل الحاسم، بل يتدخل النوع الاجتماعي في كثير من الأحيان.

وفي القطاع الخاص، تعرض حنين صورة أخرى لا تقل تعقيدا، تقول إن غياب بعض الموظفين الذكور يؤدي عمليا إلى تحميل الموظفات عبئا إضافيا من العمل، لكن هذا الجهد لا يقابله تقدير مواز، بل قد يترافق مع تعليقات تقلل من قيمة ما تؤديه النساء.

وتصف بيئة العمل أحيانا بأنها مرهقة نفسيا، نتيجة أساليب تعامل تتسم بالتعالي أو إطلاق تعليقات جارحة، ويعكس ذلك شكلا من أشكال التمييز غير المباشر يصعب توثيقه، لكنه يترك أثرا مباشرا على بيئة العمل وعلى الصحة النفسية للعاملات.

وفي بيئة عمل أخرى، تعيش سارة تجربة تقوم على رقابة صارمة، حيث تخضع تفاصيل يومها المهني لمتابعة دقيقة، من ساعات الدوام إلى حجم الإنتاج، لكنها تقول إن هذا الانضباط لا يطبق على الجميع، إذ يتمتع بعض زملائها الذكور بمرونة أكبر في الحضور والالتزام.

وتضيف أن طلب الإجازات يتحول إلى عملية معقدة بالنسبة لها، تتطلب تبريرات مطولة، في حين يحصل زملاؤها على الموافقة بسهولة، ودفعها هذا التفاوت إلى توثيق هذه الممارسات، في محاولة لتحويل تجربتها الفردية إلى دليل يمكن الاستناد إليه.

ورغم تطور التشريعات الأردنية التي تؤكد المساواة وعدم التمييز، ما تزال فجوة واضحة تفصل بين النص القانوني والتطبيق داخل بيئات العمل.

وينص الدستور الأردني في المادة السادسة على مبدأ المساواة بين المواطنين، ويؤكد تكافؤ الفرص، بما يشكل أساسا دستوريا لحظر التمييز في مختلف المجالات، ومنها سوق العمل.

الى ذلك، يحظر قانون العمل الأردني التمييز على أساس الجنس، اذ تنص المادة 69 على منع أي معاملة من شأنها الإخلال بتكافؤ الفرص بين العاملين. وتعالج المادة 53 التمييز في الأجور، وتفرض غرامات مالية على أصحاب العمل عند ثبوت المخالفة، مع إلزامهم بدفع فروق الأجور، إضافة الى أن المادة 54 تمنح سلطة الأجور صلاحية النظر في النزاعات المتعلقة بالتمييز في الأجور.

هذه النصوص القانونية تعني أن الإطار القانوني موجود، لكن المشكلة تظهر في التطبيق، وفي ضعف التبليغ، وفي صعوبة الإثبات داخل المؤسسات.

وتعزز بيانات سوق العمل هذه الشهادات، فقد أظهرت نتائج مسوح قوة العمل الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة انخفاضا محدودا في معدل المشاركة الاقتصادية للإناث، 15 سنة فأكثر، ليبلغ 14.4 بالمئة في الربع الثالث من عام 2025، مقارنة مع 14.8 بالمئة في الفترة ذاتها من عام 2024.

الى ذلك فقد تراجعت نسبة المستخدمات بأجر بشكل طفيف من 96 بالمئة إلى 95 بالمئة، ويستحوذ القطاع الخاص على الحصة الأكبر من العاملات بأجر بنسبة 48.6 بالمئة، مقابل 44.8 بالمئة في القطاع العام، فيما تتركز غالبية النساء العاملات في مهن الاختصاصيين والفنيين ومساعديهم.

وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة لا ترتبط فقط بظروف العمل داخل المؤسسات، بل أيضا بضعف فرص الدخول والاستمرار في السوق، ويعني ذلك أن أي تمييز داخل بيئة العمل يترك أثرا مضاعفا على النساء، في سوق تعاني أصلا من انخفاض المشاركة النسائية.

وتشير تقديرات مستندة إلى بيانات الربع الثالث من عام 2025 إلى أن عدد النساء العاملات والموظفات في الأردن يبلغ نحو 440 ألف امرأة، ويعكس هذا الرقم اتساع الشريحة المتأثرة بأي اختلال في العدالة المهنية، سواء في الأجر أو الترقية أو المعاملة أو الاستقرار الوظيفي.

قال الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل محمد الزيود إن الوزارة تنفذ جولات تفتيشية دورية لرصد المخالفات، مؤكدا عدم تسجيل شكاوى رسمية تتعلق بالتمييز في الأجور حتى الآن.

ويفتح غياب الشكاوى الرسمية بابا للتساؤل حول أسباب ضعف التبليغ، لا حول غياب المشكلة نفسها، خاصة في ظل شهادات متكررة عن تفاوت في المعاملة والفرص داخل أماكن العمل.

وأضاف الزيود في تصريحات لـ عرب سكاي، أن الوزارة تعمل على التوعية، ومن ذلك تأسيس اللجنة الأردنية للإنصاف في الأجور عام 2011، وإطلاق حملات بالشراكة مع منظمات دولية لتعزيز وعي العاملين بحقوقهم.

بـ المقابل، تشير تقارير دولية إلى استمرار فجوة الأجور بين الجنسين عالميا، إضافة إلى ضعف تمثيل النساء في المناصب القيادية.

وتوضح المفوضية الأوروبية أن نحو ربع فجوة الأجور يعود إلى ما يعرف بالفصل القطاعي، حيث تتركز النساء في قطاعات ذات أجور أقل.

ويبرز ما يعرف بالسقف الزجاجي، وهو نمط غير مرئي يحد من وصول النساء إلى المناصب التنفيذية العليا رغم تساوي المؤهلات.

وتنسجم هذه الصورة مع الشهادات الواردة في المادة، خاصة في ما يتعلق بترجيح كفة الذكور في المواقع الإشرافية.

ويقدم الباحث في قانون العمل حمادة أبو نجمة قراءة أعمق لهذه الفجوة، ويوضح أن النصوص القانونية، رغم أهميتها، تبقى عامة، ولا تقدم تعريفا تفصيليا لمفهوم التمييز أو معايير دقيقة لتحديد العمل ذي القيمة المتساوية.

ويشير إلى أن هذا الغموض التشريعي ينعكس مباشرة على صعوبة إثبات التمييز، إذ يعتمد ذلك غالبا على المقارنة بين أوضاع العاملين داخل المؤسسة نفسها، باستخدام وثائق مثل العقود وكشوف الرواتب أو شهادات العاملين، وهي أدوات يصعب الحصول عليها أو توظيفها قانونيا في كثير من الحالات.

ويضيف أن غياب أنظمة واضحة لتقييم الوظائف، كما هو معمول به في تجارب دولية، يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان هناك تمييز فعلي في الأجور والمعاملة، خاصة عندما تختلف المسميات الوظيفية رغم تشابه المهام.

ويشير أبو نجمة في حديثه مع “عرب سكاي”، إلى غياب سوابق قضائية أو قرارات إدارية حاسمة في هذا النوع من القضايا، مثل التمييز في التعامل، ما يعكس نقص في النصوص المعززة التي تضمن التطبيق العملي لهذه القواعد.

قصص رهف وحنين وسارة  لا تبدو استثناء، بل تعكس واقعا يتكرر في بيئات عمل مختلفة، حيث تتداخل العوامل القانونية والاجتماعية والثقافية في إنتاج أنماط من التمييز يصعب تفكيكها.

وبينما تمثل القوانين خطوة أساسية نحو العدالة، يبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذه النصوص إلى ممارسات يومية تضمن تكافؤ الفرص فعليا داخل أماكن العمل.