ذات صلة

الأكثر قراءة

إيران بعد لاريجاني،، هل يبدأ زمن التشدد العقائد

عرب سكاي – خليل النظامي

يشكل غياب علي لاريجاني تحول مهما داخل بنية القرار الإيراني، خاصة انه كان يمثل تيار يجمع بين الصلابة الأمنية والبراغماتية السياسية، فضلا عن انه لعب دور الوسيط بين مراكز القوة، وحافظ على قنوات تواصل غير مباشرة مع الغرب، وهذا التوازن منح النظام قدرة على إدارة الأزمات دون كسر قواعده العقائدية.

ومقتله قد فتح باب الصراع داخل النخبة الحاكمة بين مدرستين في ايران ؛ مدرسة إدارة الصراع ومدرسة حسم الصراع، وهنا يظهر اسم سعيد جليلي، الذي يمثل اتجاها يرى أن التراجع التكتيكي يضعف هيبة الدولة، ويؤمن بأن الصمود الطويل يفرض شروطه على الخصوم.

والمعروف عن الـ جليلي انه نتاج تجربة المواجهة مع الغرب منذ ملف التفاوض النووي، وخلال تلك المرحلة رفض تقديم تنازلات تتعلق بالبنية الاستراتيجية للبرنامج النووي، وركز على مفهوم الصمود الاقتصادي، فضلا عن انه دعا إلى تقليل الاعتماد على الخارج.

وهذا التوجه ينسجم مع خطاب المرشد حول اقتصاد المقاومة.

وإذا تقدم هذا التيار داخل مؤسسة القرار ستتجه السياسة الإيرانية نحو تقليل مساحات المناورة، وستعطي الأولوية للردع، وستوسع الاعتماد على الحلفاء الإقليميين، وسترفع كلفة أي ضغط عسكري أو اقتصادي، وبالتالي هذا يعني زيادة التوتر المنضبط وليس الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.

والفرق بين لاريجاني وجليلي يظهر في أسلوب إدارة الملفات، فلاريجاني فضل إدارة التناقضات، بينما جليلي يميل إلى تثبيت الخطوط الحمراء، والأول عمل على منع الانفجار، والثاني يعمل على فرض معادلة ردع جديدة.

وهذا لا يعني تغييرا في الأهداف الكبرى، وانما يعني تغييرا في الوسائل.

إلى ذلك يعتبر الداخل الإيراني عامل حاسم، فالتيار المحافظ عزز موقعه بعد سنوات من الضغوط والعقوبات، وهذا التيار يرى أن الانفتاح لم يحقق مكاسب اقتصادية ملموسة، ويستند إلى تجربة الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018، ويعتبرها دليلا على عدم جدوى الثقة بالضمانات الغربية.

ومن النافذة الاقتصادية تواجه إيران تحديات واضحة أبرزها ارتفاع التضخم، وتعرض العم للضغوط، لكن الدولة نجحت في الحفاظ على تماسك مؤسساتها، وما زالت توسع تجارتها مع الصين وروسيا، وهو ما زادت صادراتها غير النفطية، هذا يمنح التيار المتشدد حجة إضافية ويقول إن الصمود أعطى نتائج أفضل من التنازلات.

اما إقليميا فستراقب دول الخليج هذا التحول بحذر، خاصة ان أي صعود لتيار أكثر صلابة يدفع نحو إعادة تقييم مسارات التهدئة.

في المقابل قد تحاول طهران الفصل بين المسار الإقليمي والمسار مع واشنطن، وتحافظ على تفاهمات أمنية مع الجوار، وترفع سقفها في ملفات أخرى.

وحول واشنطن وتل أبيب فإنهما ستتعاملان مع أي صعود لجليلي كإشارة تشدد، وهذا سيدفع نحو زيادة الضغط الاستخباري والعسكري، لكن التجربة تشير إلى أن طهران ترد عبر أدوات غير مباشرة، وتفضل إدارة الصراع عبر مساحات رمادية، وتتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.

المرحلة المقبلة ستتسم بوضوح أكبر في المواقف الإيرانية، ورسائل أقل غموضا، وخطوط حمراء أكثر صراحة، وهذا سيرفع من مستوى التوتر السياسي، لكنه في الوقت نفسه لا يعني تغيير جذري في الاستراتيجية العامة، وانما يعني أن طهران ستتحدث بلغة أكثر صلابة، وستختبر قدرة خصومها على تحمل كلفة المواجهة الطويلة.