خليل النظامي
تنتشر ظاهرة وتتكرر عند الكثير من الموظفين في مؤسسات الدول النامية، تتمثل في ضعف ثقافة الإنجاز وتضخم ثقافة التبرير، فتجد الموظف بدل أن يقيس نفسه بما يقدمه من عمل، وبما يطوره من مهارات، وبما يضيفه من قيمة لمؤسسته، ينشغل بصناعة رواية تبرئه من التقصير، وتحميل الإدارة وحدها مسؤولية تعثره المهني.
ومع الوقت، يتحول النقد عند هذا النموذج الموظفي من أداة إصلاح إلى وسيلة دفاع، ويتحول التظلم من حق مهني مشروع إلى خطاب دائم يموه ضعف الأداء، ويغطي غياب الكفاءة، ويمنح صاحبه شعور زائف بأنه على صواب.
إلى ذلك، فإن الموظف ضعيف الإنتاج لا يبدأ بمراجعة أدائه، ولا يسأل نفسه ماذا أنجز، وما الذي يعمله، وما الذي أضافه إلى مؤسسته، بل يهرب بشكل سريع إلى شماعة جاهزة، فيتهم الإدارة ويكرر خطاب المظلومية والتمييز، ويصور كل ملاحظة مهنية على أنها استهداف شخصي له.
وتجده يفعل ذلك لأنه لا يريد مواجهة الحقيقة، وهي أن المؤسسات لا تتقدم بالشكوى بل بالكفاءة والانضباط والمعرفة وروح المبادرة وتحمل ضغط العمل والمسؤولية.
وحين يفتقد الموظف هذه العناصر، فإنه يبحث عن خصم خارجي يعلق عليه فشله، حتى يحافظ على صورة مريحة عن نفسه، لكنه في الواقع يبتعد أكثر عن المسار المهني السليم، لأن الاعتراف بالتقصير هو بداية التطور، أما اختراع المبررات فهو بداية التراجع.
ولا يكتفي الموظف بتبرير ضعفه بالنقد والتظلم، بل يذهب أبعد من ذلك حين يوهم نفسه بوجود تمييز ضده، فهو ينظر إلى زملائه الذين يتقدمون أو يحظون بالتقدير، ثم يفسر ذلك على أنه انحياز من الإدارة، لا نتيجة طبيعية لجهد واضح وعمل متواصل.
وتجده يتجاهل الفارق الحقيقي بينه وبينهم، وهو أن زملاءه ينتجون ويتعبون ويتحملون ضغط العمل ويطورون أداءهم، ويقدمون ما يفيد المؤسسة فعلا.
أما هو فيريد التقدير نفسه والمكانة نفسها، وربما الامتيازات نفسها دون أن يبذل اي جهد مماثل، ودون أثر ملموس او حتى مساهمة حقيقية في رفع مستوى المؤسسة التي يعمل بها.
وهنا يظهر الفرق بوضوح بين موظف ينتقد ليصلح، وموظف ينتقد ليغطي ضعفه ؛ فـ الأول يمارس النقد بمسؤولية، ويحدد الخلل ويقترح الحلول ويتحمل نصيبه من الواجب ويعمل على تطوير أدواته، والثاني يستهلك وقته في الشكوى، ويستنزف طاقة المؤسسة، ويعطل فرص النمو، ثم يطالب بأن يعامل كما يعامل أصحاب الإنجاز، والحقيقة أن المؤسسة الجادة تقيس الأثر لا الضجيج وتكافئ النتائج لا ادعاء المظلومية.
ونصيحتي لكم ،،،
من يريد مكانا متقدما داخل مؤسسته، عليه أن يثبت قيمته بالعمل، وأن يبرهن على كفاءته بالفعل، لأن المشكلة في كثير من الحالات لا تكمن في ظلم متخيل، بل في أداء ضعيف يرفض صاحبه أن يراه كما هو ويوهم نفسه بأمور غير صحيحة.

