ذات صلة

الأكثر قراءة

الضمان الاجتماعي في مرمى القتلة الاقتصاديين،، أم في مرمى السياسات؟

خليل النظامي

في الأردن هناك ملفات لا يجوز الاقتراب منها بـ لغة البيانات فقط، لأن الناس لا تفهم حياتها على شكل جداول ونسب، بل تفهمها على شكل خوف وأمان، والضمان الاجتماعي واحد من هذه الملفات، لذلك، عندما نسمع اليوم عن تعديلات مرتقبة في ظل حكومة جعفر حسان، طبيعي جدا أن يرتفع صوت القلق في الشارع ويتساءل، هل هذا إصلاح لصالحنا، أم إعادة ترتيب للأعباء علينا..؟؟!!!

ودعونا نكون أكثر وضوحا مع أنفسنا، فـ المواطن الأردني لا يعترض على الإصلاح، ولا يرفض الاستدامة، ولا يخاف من الأرقام، لكنه تعب من سياسة متكررة مضمونها أنه كلما اشتد الضغط المالي على الدولة وعندما تضيق الخزينة، تبدأ الحكومة بـ البحث في جيب المواطن قبل أي مكان آخر، فتجدها ترفع الضرائب وتزيد من الرسوم، ثم يصل الدور إلى الضمان الاجتماعي ذلك الركن الذي يعتبره المواطن شبكة أمانه الوحيدة، في وقت لا يكفي فيه راتبه لتغطية احتياجات لـ نصف الشهر.

وهنا اسمحوا لي بـ إدخال فلسفة القتلة الاقتصاديين، لا كـ حكاية مؤامرة سوداء، بل كـ إحساس متراكم عندي وعند الناس، فـ الدولة تقترض، والالتزامات تتوسع، ثم تقال كلمة سحرية اسمها “إصلاح”، وبعدها يبدأ قص الأجنحة من جهة الحماية الاجتماعية، والمواطن يسأل: لماذا دائما الإصلاح يبدأ من جيبي..!!؟ ولماذا تصبح “الاستدامة مرادفا لـ تقليل حقوقي أو تشديد الشروط علي..!!!؟

وشخصيا، أنا لا أقول إن الضمان بلا تحديات، بالعكس هناك تحديات أبرزها التقاعد المبكر، وتغير سوق العمل والبطالة، وتذبذب النمو وغيرها،، وكلها عوامل تضغط على أي صندوق في العالم، لكن،، وركزوا على لكن،،، هل الحل دائما يكون من الباب الأسهل..!!؟ أو من باب المؤمن عليهم والمتقاعدين..!!؟ ولماذا لا نسمع بنفس الحماس عن إصلاحات في بيئة العمل نفسها كي تزيد أعداد المشتركين..!!؟ ولماذا لا نسمع بوضوح عن تحسين الأجور كي تزيد الاشتراكات..!!؟ ولماذا لا يكون الإصلاح خطة اقتصادية كاملة تخلق وظائف وتزيد الإنتاج بدل أن يبقى مجرد تعديل معادلات..!!!؟؟؟

حكومة جعفر حسان تقول إن الهدف حماية أموال الضمان للأجيال القادمة،، حسن هذا قول جميل،، ولكن من يحمي الجيل الحالي من القلق..!!؟ ومن يضمن أن النقاش لا يتحول إلى عملية إعادة تحميل منظمة..!!!؟ لأن المواطن وبكل صراحة بات يرى المشهد كـ التالي: “هناك ضغوط مالية ومؤشرات يراد ضبطها، وفي النهاية تنعكس الإجراءات على الناس خطوة خطوة، لذلك لا يكفي الحديث عن إصلاح، بل المطلوب شفافية كاملة توضح حجم المشكلة والبدائل المطروحة ولماذا اختير هذا الحل تحديدا، وبدون ذلك سيبقى القلق أكبر من التطمين.

والشفافية هنا ليست رفاهية، فـ إذا كنتم تريدون من الناس أن تثق بكم، فقولوا لهم كل شيء، وما السيناريوهات؟ وما الخيارات؟ ولماذا هذا الخيار أفضل؟ وما كلفته على العامل والمتقاعد؟ وما الذي ستفعله الحكومة في المقابل كي لا يبقى الإصلاح قصيرا على حساب المواطن فقط؟ لأن الضمان ليس بندا ماليا،، بل هو عقد اجتماعي بين المواطن والدولة، وإذا اهتز اهتزت معه الثقة كلها من أسفلها لأعلاها.

باختصار شديد، الناس لا تخاف من كلمة تعديل، ولكن الناس تخاف من التاريخ الذي يأتي معها، وتخاف من أن يتحول الضمان إلى محطة جديدة في رحلة إصلاحات يدفع ثمنها المواطن، بينما تبقى الأسباب الكبرى كما هي.

فإذا أرادت حكومة حسان أن تقنع الأردنيين فـ لا يكفي أن تقول لا مساس بالحقوق، وإنما المطلوب أن تثبت أن الإصلاح ليس استجابة لـ ضغط مالي لحظي، بل جزء من رؤية تقوي الاقتصاد وتوسع سوق العمل وتزيد الاشتراكات، لا أن تعيد ترتيب الأعباء وتطلب من المواطن أن يتفهم مرة أخرى.

والقاعدة التي يعرفها كل أردني، عندما يطلب منك أن تتفهم كثيرا، فهذا يعني أن أحدا آخر لا يريد أن يدفع.