ذات صلة

الأكثر قراءة

بوتين بين الأمس واليوم .. أخلاق انتقائية

عرب سكاي – إيلاف تيسير


عاد تصريح سابق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الواجهة بعد إعلان مقتل المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، لكن عودته هذه المرة لا تضيء فقط على حساسية الملف بالنسبة لموسكو، بل تكشف بوضوح تبدل لافت في خطاب بوتين بين الأمس واليوم، من رفض حتى مناقشة احتمال اغتيال خامئني، إلى إدانة أخلاقية وقانونية صاخبة عند وقوع الحدث فعليا.


الجدير بـ الذكر أنه وفي مؤتمر صحفي في عام 2025، سئل الرئيس بوتين عن موقف روسيا المحتمل إذا جرى اغتيال خامنئي وما إذا كانت الولايات المتحدة قد تكون وراء ذلك، وما الخطوات الأولى لموسكو في حال حدوثه، واكتفى بوتين حينها برد مقتضب بدا أقرب إلى الهروب من المبدأ قبل الحدث، إذ قال: “آمل أن تكون هذه أدق إجابة لسؤالك ،، أنا لا أرغب حتى في مناقشة مثل هذا الاحتمال”.


واليوم، وبعد إعلان مقتل خامنئي، خرج بوتين بتصريحات قوية وصف فيها العملية بأنها “جريمة قتل متعمدة وساخرة”، واعتبرها انتهاكا لمعايير الأخلاق الإنسانية والقانون الدولي، مقدّمًا التعازي ومحذرا من “فوضى دولية” قد تنتج عن سياسة الاغتيالات السياسية واستهداف قادة الدول.


إلاّ أن المفارقة هنا لا تتعلق بكون بوتين أدان حادثة اغتيال فالإدانة بحد ذاتها موقف مفهوم في سياق دولي متوتر، بل تتعلق بالسؤال الأكثر إحراجا،، لماذا رفض حتى مناقشة الفكرة عندما كانت مجرد احتمال، ثم استدعى القانون الدولي والأخلاق الإنسانية عندما وقعت؟


هذا التحول يضع الخطاب الروسي في دائرة “الانتقائية، والأوضح أن تصريح بوتين السابق لم يكن مجرد “تحفظ دبلوماسي”، بل كان تجنبا لتحمل موقف مبدئي عام ضد الاغتيالات السياسية.


فلو كان بوتين يتحدث من منطلق ثابت، لكان قادرا على قول جملة واضحة بالأمس، تتمثل بـ أن الاغتيال السياسي مرفوض أيا كان المستهدف، إلاّ أنه فضلل الصمت، ثم عاد اليوم ليصعد خطاب الإدانة بعد أن أصبح الحدث واقعا يهدد شريك استراتيجي مهم لروسيا.


هنا تظهر النقطة النقدية الأساسية، بوتين يستخدم لغة القانون الدولي والأخلاق كأداة سياسية أكثر من كونها معيار ثابت، فالقانون الدولي في الخطاب الروسي يبدو مرنا بحسب زاوية الضرر والمنفعة، قد يرفع عاليا عندما تستهدف مصالح موسكو وحلفائها، لكنه يصبح أقل حضور عندما تطرح أسئلة مشابهة حول ممارسات أطراف أخرى أو حول معايير مزدوجة في ملفات دولية مختلفة.


ومن منظور تحليلي، من غير المرجح أن يقتصر الرد الروسي على التنديد والتعزية، لكن الأرجح أيضا أن موسكو ستسلك المسار الذي تجيده، رد سياسي ودبلوماسي محسوب يضمن استمرار النفوذ وتقليل الخسائر، لا دفاع عن مبدأ عالمي بقدر ما هو دفاع عن توازنات وتحالفات.


ويبقى السؤال الأهم ليس، ماذا ستفعل روسيا بعد مقتل خامنئي؟ بل، هل ما قاله بوتين اليوم هو دفاع عن القانون الدولي، أم دفاع عن حليف سقط..!!؟


وبين الأمس واليوم، يبدو أن الذي تغير ليس القناعة الأخلاقية، بل الظرف السياسي، وهذا بالضبط ما يجعل خطاب بوتين محل نقد، أخلاق تستخدم عند الحاجة ، وتؤجل عندما لا تخدم الحاجة.