عرب سكاي – خليل النظامي
من خدمة العلم إلى صياغة مواطنة أردنية جديدة
منذ أن سمعت خطاب سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأنا أنتظر أن يخرج الإعلام الأردني، ومعه المحللون والكتاب، بقراءة تفكك هذا الخطاب وتضعه في سياقه السياسي والوطني.
وبكل صدق،،
انتظرت، ورصدت ما نشرته الصحف والمواقع والمقالات،، لكن معظم ما تم تناوله تمثل بـ الاكتفاء بـ نشر الخطاب في صيغته المصورة أو الخبرية، دون الوقوف عند دلالاته العميقة.
ورأيت أن هذا الخطاب يستحق قراءة خاصة، ليس لأنه قيل في مناسبة عسكرية فقط، بل لأنه حمل إشارات مهمة إلى المرحلة المقبلة، ونعم هو خطاب يتحدث عن خدمة العلم، لكنه تجاوزها إلى معنى الدولة والمواطنة والانضباط، والإنسان الأردني الذي يحتاجه الأردن في زمن التحولات المحلية والإقليمية.
ولا يمكن قراءة كلمة ولي العهد بوصفها بروتوكولا عسكريا أو إعلانا تقليديا عن استئناف خدمة العلم، ووجدت أنه في جهوره خطاب فيه محاولة واضحة لـ صياغة فلسفة ومعنى جديد لـ المواطنة الأردنية، مواطنة لا تكتفي بالانتماء العاطفي، ولا تقف عند حدود الولاء اللفظي، بل تتحول إلى انضباط، وإتقان ومسؤولية، وقدرة على الفعل.
الخطاب يضعنا أمام امتداد هاشمي عابر للأجيال، من الملك الحسين بن طلال، حيث ارتبطت الجندية بالعهد والتضحية والبقاء، إلى الملك عبدالله الثاني والذي تحول فيه الجيش إلى مؤسسة احترافية تحمي الدولة وتدعم استقرارها وتنميتها، وصولا إلى ولي العهد حفظه الله، الذي قدم الخدمة العسكرية كـ أداة لبناء الشخصية الأردنية في زمن التكنولوجيا والاضطراب وتغير المهارات.
وقد لاحظت الإرث الذي يحمله ولي العهد من جده الحسين عن معنى الجندية بوصفها عهدا، من خلال استحضاره عبارة “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”، وهذه ليست عبارة بروتوكولية، وإنما مفتاح لـ فهم معنى وعمق الخطاب كله، فـ خدمة العلم لا تظهر هنا كـ إجراء إداري، بل كـ اختبار لـ الصدق أمام الله والوطن والذات.
واستمد من والده الملك عبدالله الثاني حماه الله، معنى الجيش بوصفه مؤسسة دولة حديثة، جيش يحمي الحدود ويصون الاستقرار، ويمنح الدولة ثقتها بنفسها، لـ هذا فهو خطاب لم يحصر الجندية داخل الثكنة، بل يمدها إلى المصنع والجامعة، والمؤسسة، ومواقع العمل المختلفة، فـ كل مواطن يصبح جنديا حين يتقن عمله، وكل موقع عمل يصبح خندقا حين يخدم المصلحة العامة.
أما الجديد الذي وجدته في خطاب ولي العهد أنه ينقل العقيدة العسكرية من منطق الدفاع وحده إلى منطق البناء والإنتاج، فـ المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة ضد الجمود والاتكالية وضعف المهارات، والخوف من التغيير.
لذلك بدت عبارته عن أن التمسك بـ أساليب الأمس لم يعد خيارا، إعلانا واضحا بأن الوفاء لـ الماضي لا يعني السكن والعيش فيه، وأن احترام الإرث لا يعني تحويله إلى قيد على المستقبل وتطوراته.
وهنا تظهر الفلسفة السياسية عند ولي العهد، فـ الدولة لا تريد مواطنا ينتظر الإنقاذ،، وإنما تريد مواطنا يرى نفسه جزءا من الحل، فـ حين يقول ولي العهد إن المنقذ هو أنت ومن على يمينك ويسارك، فهو ينقل المسؤولية من فكرة الخلاص الخارجي إلى فعل وطني جماعي، فـلا الخارج سينقذ الأردن، ولا الدولة وحدها تكفي إن بقي المجتمع متفرجا.
أما البعد الإسلامي في الخطاب، فـ يعمل كـ ضمير أخلاقي، بدءا من البسملة، والصلاة على النبي العربي الهاشمي الأمين، واستدعاء العهد مع الله، فهذه كلها تربط الواجب الوطني بالتكليف الأخلاقي، فـ الدين في هذا الموضع لا يظهر كـ شعار تعبوي بل كـ معيار لـ السلوك، بمعنى أن تعمل حين يغيب الرقيب، وأن تتقن دون رقابة، وأن تفي بـ العهد لأن الله شاهد قبل أن تكون الدولة شاهدة عليك.
ومن أهم ما ودته في أعماق خطابه، أنه يعيد تعريف شعار “الأردن أولا”، فهو لا يطرحه ك، شعار انعزالي، بل كـ شرط لـ خدمة الأمة وقضاياها، ويؤكد أن الأردن القوي والمتماسك هو الأقدر على نصرة محيطه ودول الجوار، ويكشف عن أن الدولة الضعيفة لا تستطيع حمل قضية غيرها، إضافة الى أن الوطنية ليست انسحابا من العروبة، بل قاعدة القول والفعل داخلها.
وفي سبيل المقارنة بين الأجيال الثلاثة، قد رأيت تطورا واضحا في الخطاب الهاشمي الملك، فـ الحسين رحمه الله تحدث بلغة البقاء والتضحية في زمن الخطر المباشر، والملك عبدالله الثاني حماه الله تحدث بـ لغة الدولة القوية والجيش المحترف في زمن التحولات الأمنية، أما ولي العهد حماه الله تحدث بلغة الإنسان المنتج في زمن التكنولوجيا والاضطراب.
وطبعا اللغة قد تغيرت لأن طبيعة الخطر والظروف الاقتصادية قد تغيرت، أما جوهر الرسالة بقي واحدا ثابتا معناه، أن الأردن يصمد حين يلتقي الإيمان بـ الانضباط، والولاء والانتماء بـ الفعل، والقيادة بـ الشعب.
لهذا إخوتي أجد أن أهمية الخطاب لا تكمن في بلاغته فقط، بل تكمن في أنه يحاول نقل خدمة العلم من ذاكرة عسكرية إلى مشروع اجتماعي انتاجي بنائي، وأن يجعل خدمة العلم أداة لـ تشكيل الشخصية الوطنية، تلك الشخصية التي تعرف أن الكرامة تحتاج عملا،، وأن السيادة تحتاج مهارة،، وأن المستقبل لا تصنعه الجغرافيا وحدها ولا الموارد وحدها،، بل يصنعه الإنسان المنضبط والمتعلم والواثق.
ونعم صحيح أنه خطاب عن الجيش،، لكنه في جوهرة تحدث عن معنى الدولة في فلسفة ولي العهد، ومصير الأردن ومستقبله الذي يراه في فكره الخاص، وإعادة لـ تعريف الولاء بـ وصفه قدرة يومية على الإنجاز، لا حماسة عابرة في المناسبات فقط.

