عرب سكاي – المغرب – حفيظي كبيرة
أدت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار البترول، ما انعكس بشكل مباشر على وقود الطائرات (الكيروسين)، الأمر الذي تسبب في ارتفاع أسعار تذاكر السفر الجوي، وخلق ضغطًا متزايدًا على الراغبين في السفر والتنقل.
وفي هذا السياق، أثار إعلان شركة الخطوط الملكية المغربية عزمها وقف عدد من الخطوط الجوية اهتمام المتابعين، حيث يأتي القرار ضمن توجه لإعادة ترتيب الأولويات والتركيز على الخطوط الأكثر ربحية، مقابل تقليص الوجهات غير المربحة في ظل الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة.
وتتزايد المخاوف من أن تؤثر تداعيات الصراع في الشرق الأوسط على القطاع السياحي، الذي يعد ركيزة أساسية للعملة الصعبة في المملكة المغربية ومحركا مهما للنمو الاقتصادي، وكانت الحكومة المغربية قد وضعت استراتيجية طموحة تهدف إلى جذب 26 مليون سائح، مستفيدة من الاستعدادات لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وهو الحدث الذي يرتقب أن يشهد تدفقا كبيرا للسياح نحو المغرب، غير أن التحولات الجيوسياسية الدولية قد تعيد خلط الأوراق وتبعثر كثيرا من الحسابات المرتبطة بهذا الرهان.
وفي السياق ذاته، قال الخبير في الشأن السياحي، الزبير بوحوت، إن الأدبيات الاقتصادية والسياحية تجمع على أن ارتفاع أسعار المحروقات والتوترات الجيوسياسية لهما تأثير مباشر وغير مباشر على القطاع السياحي.
وأوضح بوحوت، في حديثه لـ”عرب سكاي”، أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل الجوي، خصوصًا عبر ارتفاع تكلفة الكيروسين، وهو ما ينعكس على أسعار تذاكر الطيران ويؤثر سلبًا على الطلب على السفر، لا سيما الرحلات الطويلة.
وأضاف أن التوترات الإقليمية، سواء في الشرق الأوسط أو في بعض مناطق إفريقيا، تؤثر على ثقة المسافرين وعلى الصورة الذهنية للوجهات السياحية، وقد تؤدي إلى اضطرابات في حركة النقل الجوي أو إلى إعادة توجيه التدفقات السياحية عالميًا، غير أن هذه التأثيرات تظل نسبية وتختلف من بلد إلى آخر بحسب موقعه الجغرافي وصورته الأمنية وقدرته على التكيف مع الأزمات.
وتابع أن المملكة المغربية تبرز كحالة تظهر قدرا ملحوظا من الصمود والمرونة، مستندة إلى رؤية استراتيجية وإصلاحات هيكلية متواصلة في القطاع السياحي، موضحا أن المغرب سجل خلال الربع الأول من سنة 2026 أداء إيجابيا، حيث ارتفع عدد الوافدين بنسبة 7 في المائة، كما ارتفعت عائدات العملة الصعبة بنسبة 24 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025.
وأشار بوحوت إلى أن هذه الوتيرة تبقى أقل من الدينامية القوية التي سجلت خلال السنوات السابقة، إذ بلغت نسبة النمو حوالي 14 في المائة خلال سنة 2025، وقرابة 20 في المائة خلال سنة 2024، إلا أن الأداء الحالي يظل مهما ويعكس قدرة القطاع على الحفاظ على مسار نمو إيجابي رغم تعقيدات الظرف الدولي.
ونوّه إلى أن هذا الأداء يفسر بكون المغرب استطاع الاستفادة من التحولات التي فرضتها التوترات الدولية عبر ما يعرف نظريا بـ”تأثير الاستبدال”، إذ يتجه جزء من الطلب السياحي نحو وجهات تعتبر أكثر استقرارا وأمانا، كما أظهرت تقارير دولية لسنة 2026 أن المغرب يعد من بين أكثر الوجهات أمانا في القارة الإفريقية.
وأكد أن استراتيجيات تنويع الأسواق المصدرة للسياح ساهمت في الحد من التأثيرات السلبية المحتملة الناتجة عن ارتفاع التكاليف أو تراجع الثقة العالمية، مشيرا إلى أن المؤشرات الحالية تظهر تمتع القطاع السياحي المغربي بقدر من المرونة والقدرة على التكيف، رغم تسجيل وتيرة نمو أكثر اعتدالًا مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما يجعل النتائج المحققة جديرة بالتقدير في سياق دولي يتسم بعدم الاستقرار.
ومن جانبه، قال الخبير السياحي محمد سعيد الطاهري إن الحروب، بمختلف أشكالها، تعد من أقوى العوامل المدمرة للقطاع السياحي، باعتبار أن هذا القطاع يمثل منظومة متكاملة تتأثر بعدة عوامل داخلية وخارجية.
وأوضح الطاهري، في تصريحه لـ”عرب سكاي”، أن الحروب تتسبب في إغلاق الحدود والمطارات وتراجع الحجوزات بسبب المخاوف المرتبطة بعدم الاستقرار الأمني، مشددًا على أن الاستقرار الجيوسياسي يُعد عاملًا حاسمًا في قرارات السفر والتنقل بين الدول.
وأضاف أن السياح يتجنبون عادة المناطق القريبة من التوترات، كما حدث في عدد من دول الشرق الأوسط والخليج، معتبرًا أن مصر تُعد من أكثر الدول الإفريقية تأثرًا بحرب الشرق الأوسط، إلى جانب تركيا التي تأثرت بشكل أكبر مقارنة بالوجهة السياحية المغربية.
ورجّح الطاهري وجود تأثير إضافي يتمثل في ارتفاع تكلفة النقل الجوي، بعدما شهدت أسعار الوقود ارتفاعًا كبيرًا بلغ مستويات قياسية، وهو ما دفع عددًا من شركات الطيران إلى إلغاء بعض الرحلات المبرمجة أو إعادة توجيهها نحو وجهات أكثر أمنًا واستقرارًا.
وأشار إلى أن أسعار تذاكر الطيران شهدت ارتفاعًا ملحوظًا نتيجة اضطراب إمدادات الوقود وارتفاع تكاليف تشغيل شركات الطيران بسبب تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، ما دفع بعض الشركات إلى إلغاء الرحلات غير الربحية.

