عرب سكاي – محمد نوفان الشهوان
في ظل التوترات الإقليمية المتسارعة وحالات الانكفاء التي شهدتها بعض دول المنطقة، يبرز تساؤل جوهري حول سر استقرار الدولة الأردنية وثبات نظامها السياسي ، هذا الاستقرار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكم الحكمة السياسية والشرعية الضاربة جذورها و التي مكنت الأردن من تجاوز أزمات وجودية كبرى عبر تاريخه المعاصر.
واجه الأردن منذ تسلم جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية جملة من التحديات الجيوسياسية المعقدة، بدأت بتداعيات حرب العراق، مروراً بتفجيرات عمان، وصولاً إلى موجات الاضطراب التي عصفت بالمنطقة وتمدد التنظيمات المتطرفة،
وقبل ذلك، كان عهد الملك الراحل الحسين بن طلال حافلاً بمحطات مفصلية كمعركة الكرامة وغيرها، حيث استطاعت القيادة الهاشمية في كل مرة العبور بالبلاد نحو بر الأمان، متجاوزةً الضغوطات والتحولات الراديكالية بذكاء وهدوء.
و في هذا السياق الإقليمي المعقد، برزت تحديات إيديولوجية منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وما رافقها من محاولات لتصدير تلك الثورة إلى دول المنطقة. ورغم نجاح تلك المواجهات في التسلل إلى بعض الساحات العربية وخلق أذرع لها مستغلةً حالة الفراغ السياسي، إلا أن هذه المحاولات اصطدمت في الأردن بوعي وطني وتماسك مجتمعي فريد. فالنسيج الأردني، بتركيبته الجغرافية والإيديولوجية، حال دون نجاح أي استقطاب خارجي حاول العزف على أوتار الظروف الاقتصادية أو الشعارات العاطفية.
ويُمكنني القول بأنَّ هذا الثبات لهُ عوامل بنيوية وتاريخية
عميقة، أهمها الشرعية التاريخية والدينية التي يستند إليها النظام الهاشمي كقيادة ممتدة وغير طارئة، مما منحها قبولاً راسخاً في الوجدان الشعبي. ويُضاف إلى ذلك العلاقة العضوية بين القيادة والشعب،
الدولة اليوم قوتها من تلاحم الجبهة الداخلية واعتماد لغة الحوار والاحتواء بدلاً من الصدام. كما تميز النهج السياسي الأردني بالابتعاد عن سياسات الإقصاء، والتعامل مع الأزمات الداخلية بمنطق الحكمة والرحمة، مما حافظ على السلم المجتمعي وصان المكتسبات الوطنية.
إن الوعي الوطني اليوم هو الضمانة الحقيقية لمواجهة محاولات الاختراق الأيديولوجي أو التشكيك بمواقف الدولة الراسخة. وبالرغم من ثقل التحديات المحيطة، يبقى الأردن نموذجاً للدولة القادرة على التكيف والاستمرار، مدفوعاً بوجدان شعبي يرى في وطنه المعتقد، والمرتجى، والمصير.
محمد نوفان الشهوان

