عرب سكاي – خليل النظامي
انقطاع الغاز القادم من شرق المتوسط لا يقرأ في الأردن كـ حادثة تقنية عابرة بقدر ما يقرأ كـ اختبار جديد لهشاشة أمن الطاقة في بلد يضع توليد الكهرباء في قلب معادلته الاقتصادية والاجتماعية.
فـ حين يتوقف مصدر من مصادر الغاز التي تدخل في تشغيل محطات التوليد، فإن الأثر لا يبقى محصورا في غرف التحكم وشبكات النقل، بل يمتد سريعا إلى السؤال الأكبر، كيف يضمن الأردن استمرارية الكهرباء بكلفة يمكن لـ الخزينة والقطاع الإنتاجي والمستهلك النهائي تحملها، في وقت تتقاطع فيه الطاقة مع الجغرافيا السياسية على نحو مباشر؟
والمعروف أن قطاع الكهرباء الأردني يعتمد على الغاز الطبيعي بوصفه وقود أساسي، وهو ما جعل التحول إليه خلال السنوات الماضية خيار أقل كلفة وأعلى كفاءة مقارنة بزيت الوقود والديزل.
وهذا الاعتماد المرتفع يعني عمليا أن أي اضطراب في تدفقات الغاز يتحول فورا إلى ضغط على منظومة التوليد، ويستدعي تشغيل بدائل أسرع توافرا لكنها أعلى كلفة وأكثر عبئا على البيئة وعلى فاتورة الطاقة.
وعندما يصبح البديل هو الديزل أو الوقود الثقيل، تتغير معادلة التشغيل من إدارة كفاءة إلى إدارة استمرار، أي ضمان بقاء الشبكة مستقرة وتلبية الطلب حتى لو ارتفعت كلفة الكيلوواط لكل ساعة بصورة ملموسة.
وفي خلفية هذا المشهد تقف حقيقة رقمية لا يمكن تجاهلها تقول أن الأردن يستهلك قرابة 344 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا لـ توليد الكهرباء، والغاز يساهم في إنتاج نحو 68% من الطاقة الكهربائية وفق بيانات 2023.
وهذا الحجم من الاعتماد يجعل الاستبدال الكامل والسريع لأي مصدر متعثر أمر معقد، ويحول كل ساعة انقطاع إلى قرار تشغيل مكلف، وكل يوم إلى تراكم مالي قابل لأن ينعكس على مديونية قطاع الطاقة أو على خيارات التسعير والدعم لاحقا.
والتعقيد هنا لا يرتبط بـ المصدر الواحد فقط، بل بطبيعة سلة الإمداد نفسها، فـ الأردن يتلقى الغاز من أربعة مسارات رئيسية وهي ؛ تدفقات عبر الأنابيب من حقل ليفياثان، وتدفقات عبر خط الغاز العربي، وغاز مسال عبر منشآت العقبة من السوق العالمية، إضافة إلى إنتاج محلي من حقل الريشة.
وهذه التعددية تبدو على الورق عنصر أمان، لكنها في الواقع ليست ضمان مطلق إذا كانت بعض المسارات متداخلة في حساسيتها الإقليمية أو في محدودية طاقتها التعويضية على المدى القصير.
فـ المصادر قد تتعدد، لكن قدرة كل مصدر على سد فجوة مفاجئة ليست متساوية، كما أن التحول بين أنواع الوقود ليس قرار محاسبي فقط، بل قرار تشغيلي وتقني وسلاسل توريد ومخزون وخدمات لوجستية.
وعادة ما يكون القطاع الصناعي أول من يلامس كلفة الاستمرار، لأن أولوية الشبكة في أوقات الطوارئ تتجه إلى حماية توليد الكهرباء واستقرار التغذية العامة.
لذلك تظهر إجراءات تقنين الغاز على الصناعة كـ جزء من إدارة الأزمة، وهو ما ينقل الأزمة من مستوى الطاقة إلى مستوى الإنتاج وسلاسل الإمداد والأسعار.
وبطبيعة الحال، الصناعات التي تعتمد على الغاز مباشرة أو التي تتأثر بكلفة الكهرباء كـ مدخل إنتاج، مثل قطاعات التعدين والصناعات الكيماوية، قد تواجه خلال فترات الانقطاع ارتفاع في الكلف أو تذبذب في الإمدادات، وهو ما يضعف التنافسية ويضغط على الهوامش، وقد ينعكس لاحقا على الأسعار النهائية أو على خطط التشغيل.
إلاّ أن النقطة الأكثر حساسية في الحالة الأردنية هي أن خطة الطوارئ ليست مجرد بروتوكول فني، بل مؤشر على ثمن الاعتماد وعلى حدود الخيارات المتاحة.
فـ التحول إلى الديزل، يعني كلفة يومية إضافية تقارب مليون و800 ألف دينار أردني على شركة الكهرباء الوطنية، وهذا الرقم يختصر القصة كلها بـ ان استمرار الكهرباء ممكن لكن ثمنه يتراكم سريعا، ومع تراكمه يعود السؤال السياسي الاقتصادي إلى الواجهة:
من يمتص الفاتورة..!!؟ الشركة عبر زيادة العجز، أم الحكومة عبر ترتيبات مالية، أم المستهلك عبر تسعيرات مؤجلة أو غير مباشرة؟
ومن زاوية أوسع، يعيد الانقطاع تسليط الضوء على البعد السيادي في سياسات الطاقة، فـ الاتفاقيات طويلة الأجل مثل اتفاقية استيراد الغاز التي بدأت في 2020 ومدتها 15 عاما، صممت لـ توفير إمداد مستقر وسعر متوقع، لكنها تظل معرضة لارتدادات الإقليم حين تتبدل البيئة الأمنية أو تتعطل التدفقات بفعل حدث سياسي أو عسكري.
وبهذا المعنى، يصبح أمن الطاقة في الأردن جزءا من أمنه الاقتصادي، ويتحول تنويع المصادر من خيار تحسين إلى ضرورة وقائية، تشمل ليس فقط تعدد الموردين بل أيضا رفع مرونة المنظومة سواء عملية التخزين، او جاهزية تحويل الوقود، أو توسيع خيارات الغاز المسال، أو تسريع أي بدائل محلية أو متجددة تقلل حساسية الشبكة للصدمات الخارجية.
في المحصلة النهائية، لا يبدو التحدي في توفير الكهرباء خلال الأيام القليلة المقبلة هو جوهر المسألة بقدر ما هو اختبار لقدرة الأردن على إدارة كلفة الاستمرارية دون إحداث ارتجاج اقتصادي.
فكلما طال الاعتماد على بدائل مرتفعة الكلفة، اقترب القطاع من مفترق خيارات صعبة أحلاها تحمل مالي متزايد، وأمرها إعادة توزيع الكلف على الاقتصاد، أو تسريع إصلاحات وهيكلة مصادر الطاقة بما يخفف تكرار هذا السيناريو.
والانقطاع الحالي يضع رسالة واضحة مضمونها، ان الاستقرار الكهربائي يمكن الحفاظ عليه تقنيا، لكن الاستقرار المالي لقطاع الطاقة هو المعركة الأصعب، وهي التي تحدد في النهاية من يدفع ثمن الجغرافيا السياسية حين تصل إلى عداد الكهرباء.

