عرب سكاي – اية برقاوي
إنّ الصراع الإيراني الأمريكي ليس مجرد تاريخ طويل من المواجهات والتحديات السياسية، بل هو قصة معقدة من التحولات الجيوسياسية التي تمتد جذورها إلى تاريخ بعيد، وتستمر في التأثير على السياسات الإقليمية والدولية حتى يومنا هذا.
يعود هذا الصراع إلى أكثر من قرن من الزمن، وتحديدًا إلى فترة ما قبل الثورة الإيرانية في عام 1979، حينما كان البلدان يتقاسمان مناطق النفوذ في العالم، ولكن تصاعدت التوترات بشكل أكبر بعد سقوط الشاه وظهور الجمهورية الإسلامية في إيران
في البداية، كانت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة تشهد نوعًا من التنسيق والتعاون، خصوصًا في الحقبة التي سبقت الثورة الإسلامية، في خمسينيات القرن الماضي، كانت إيران تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي، الذي كان يُعتبر حليفًا استراتيجيًا للغرب بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص فالشاه، الذي جاء إلى السلطة بدعم من الغرب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، اتبع سياسة تتماشى مع المصالح الغربية في الشرق الأوسط، خاصة في ما يتعلق بالنفط والحد من النفوذ السوفييتي في المنطقة
كان الشاه يولي اهتمامًا بالغًا بتحديث إيران، ويُعتبر دوره في الحد من تأثير الشيوعية في المنطقة أحد الأسباب التي جعلته يحظى بدعم غربي واسع إلا أن هذه العلاقات كانت مشوبة بمشاعر السخط بين قطاعات واسعة من الشعب الإيراني الذين شعروا بالاستبداد السياسي وفقدان الهوية الثقافية تحت الحكم الملكي المدعوم من الغرب
أدى تزايد الاحتجاجات الشعبية في إيران ضد نظام الشاه إلى اندلاع الثورة الإيرانية في عام 1979، والتي كانت بداية التغيير الجذري في العلاقات بين طهران وواشنطن، بعد الإطاحة بالشاه، قام آية الله روح الله الخميني بقيادة الحركة الثورية، وأعلن عن قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان لهذا التحول السياسي تأثير عميق على العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، حيث أصبح من المستحيل تجاهل العداء العميق بين البلدين
مع قيام الثورة، بدأ النظام الإيراني الجديد في تصعيد مواقفه ضد الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة التي كانت تمثل الشيطان الأكبر في الخطاب الثوري الإيراني، تمثل ذروة هذا العداء في أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، حيث تم احتجاز 52 دبلوماسيًا أمريكيًا لأكثر من 400 يوم، كانت هذه الحادثة نقطة تحوّل كبيرة، وأسست لعلاقات معقدة وطويلة الأمد من التوتر والمواجهة
في الثمانينيات، دخلت الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة وغير مباشرة مع إيران، حيث دعم الطرفان أطرافًا متنازعة في المنطقة، في هذه الفترة، كان دعم الولايات المتحدة للعراق في حربه ضد إيران (1980-1988) واحدًا من أبرز محطات التوتر، سعى العراق، تحت قيادة صدام حسين، إلى تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة، بينما اعتبرت إيران هذه الحرب محاولة لتصفية حساباتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج
ومع تصاعد الأحداث في المنطقة، شكلت إيران تهديدًا متزايدًا للغرب، خاصة بعد دعمها لعدد من المجموعات المسلحة في لبنان وفلسطين، مثل حزب الله وحركة حماس، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة تهديدًا مباشرًا لمصالحها وحلفائها في الشرق الأوسط
في التسعينيات، شهدت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة بعض الفترات التي يمكن وصفها بالهدوء النسبي، إلا أن التوترات لم تختفِ تمامًا، في عهد الرئيس بيل كلينتون، بدأت الولايات المتحدة في تطبيق سياسة “الاحتواء” ضد إيران، حيث كان التركيز على فرض العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، إلى جانب الضغط على إيران لوقف برنامجها النووي ودعم المجموعات المسلحة، لم تكن هناك مفاوضات مباشرة بين الطرفين، ولكن كان هناك محاولات خجولة للتقارب، مثل محادثات بين إيران والولايات المتحدة حول أفغانستان في عام 1998
في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، تصاعدت التوترات بين إيران والولايات المتحدة بشكل كبير، في عام 2001، وبعد هجمات 11 سبتمبر، توجهت الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط في حربين: الأولى ضد طالبان في أفغانستان، والثانية ضد نظام صدام حسين في العراق، كان التحليل الاستراتيجي الأمريكي يشير إلى أن إيران كانت جزءًا من ما سمّي بـ “محور الشر”، وهو ما عزز العداء بين الطرفين
وفي الوقت نفسه، أصبح البرنامج النووي الإيراني في صلب المواجهة، في عام 2006، أعلنت إيران عن تقدم كبير في برنامجها النووي، وهو ما أثار قلقًا دوليًا واسعًا، خاصة في واشنطن، في عام 2009، تولى الرئيس باراك أوباما منصبه، وأعلن عن استراتيجيته لتغيير السياسة تجاه إيران، والتي بدأت بمحاولات فتح الحوار مع طهران.
في عام 2015، تم التوصل إلى اتفاق نووي تاريخي بين إيران ومجموعة الدول الست الكبرى الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا) هذا الاتفاق، الذي عُرف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة كان يهدف إلى الحد من قدرة إيران على تطوير أسلحة نووية مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، اعتُبر الاتفاق بمثابة اختراق دبلوماسي كبير، ورأى الكثيرون أنه خطوة نحو تحسين العلاقات بين إيران والغرب
لكن، في عام 2018، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، موجهًا ضربة قوية للعلاقات بين طهران وواشنطن، هذا القرار أدى إلى تجديد العقوبات على إيران، وتصعيد التوترات مجددًا في المنطقة
حتى اليوم، لا تزال العلاقات بين إيران والولايات المتحدة في حالة من التأرجح بين التوترات والهدوء، فإيران لا تزال تحت العقوبات الأمريكية، وبرنامجها النووي يثير القلق في الغرب، من جهة أخرى، لم تستطع الولايات المتحدة تأمين تغيير سياسي في إيران أو التأثير على مواقفها الإقليمية.
ومع بداية الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن، تبدو الفرصة سانحة لاستئناف المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، لكن التحديات العميقة تبقى قائمة، من القضايا الإقليمية إلى ملفات أخرى مثل دعم إيران للمجموعات المسلحة في الشرق الأوسط.
إنّ الصراع الإيراني الأمريكي هو أكثر من مجرد نزاع بين دولتين؛ هو تجسيد لصراع عالمي أكبر على النفوذ والموارد في منطقة الشرق الأوسط، ويمثل تحديًا كبيرًا للسياسات الدولية، مع كل دورة من المواجهات والمفاوضات، يبدو أن هذه العلاقة ستظل في حالة من عدم الاستقرار، وتستمر في التأثير على السياسات الإقليمية والدولية لعقود قادمه.

