ذات صلة

الأكثر قراءة

زعيم حزب الله يدعو لإلغاء اجتماع بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن

عرب سكاي -دعا الأمين العام ​لجماعة حزب الله ‌اللبنانية...

صنعاء .. حكايا التلكس والكلاشنكوف المذهب

عدنان الروسان سأحلُّ ضيفاً ثقيلاً على السيدات والسادة قرّاء ومشاهدي...

وزير العمل يكرس التبعية .. ويضرب الثقة بالمؤسسات ويقصي الكفاءات الأردنية

عرب سكاي – خليل النظامي

تصريح وزير العمل عن الاستعانة بخبراء دوليين لضمان استدامة مؤسسة الضمان الاجتماعي لا يبعث على الطمأنينة، بل يقدم اعترافا سياسيا وإداريا بفشل الدولة في بناء خبرتها الوطنية في واحد من أخطر الملفات المالية والاجتماعية.

المشكلة هنا لا تبدأ من الاستعانة بخبرة خارجية بحد ذاتها، بل المشكلة تبدأ حين تتحول الاستعانة إلى بديل دائم عن بناء قدرة وطنية مستقلة،،
وعندها يصبح السؤال مشروعا وحادا :
ماذا فعلت الحكومات المتعاقبة طوال السنوات الماضية،،؟ وأين ذهبت موازنات التدريب والتأهيل والتخطيط،،؟ ولماذا يصل ملف بحجم الضمان الاجتماعي إلى لحظة يقال فيها للرأي العام إن الحل يأتي من الخارج،،!!؟؟!!!!

والأردن ليس بلدا فقيرا بالكفاءات، فوزارة التعليم العالي أعلنت أن عدد الطلبة الدوليين في مؤسسات التعليم العالي الأردنية بلغ 51,647 طالبا من 113 دولة في العام الجامعي 2024، 2025، وقد ربطت الوزارة هذا الرقم بجودة التعليم وسمعة الأردن الأكاديمية،،،

وحين تروج الدولة تعليمها للعالم بهذه اللغة، ثم تتصرف في ملف الضمان وكأنها بلا خبراء، فهي تناقض نفسها رسميا وبالأرقام،،

والأخطر من ذلك، أن سوق العمل نفسه يقدم إدانة إضافية لهذا النهج،، فدائرة الإحصاءات العامة أعلنت أن معدل البطالة في الأردن بلغ 21.4 بالمئة في عام 2024، وأن البطالة بين حملة البكالوريوس فأعلى بلغت 25.8 بالمئة.

وأظهرت البيانات أن 74.0 بالمئة من إجمالي قوة العمل النسائية تحمل البكالوريوس فأعلى، مقابل 27.1 بالمئة بين الذكور،،

وهذه ليست فجوة كفاءة، وانما فجوة إدارة وتشغيل واستيعاب،، والدولة تملك خزانا من المؤهلين، لكنها لا تبني منهم منظومة خبرة وطنية مستدامة،،

والبيانات الأشد قسوة تكشف أن الأزمة تضرب الفئات الأكثر تعليما بدل أن تكافئها ، ففي دراسة تحليلية لدائرة الإحصاءات العامة كشفت أن البطالة بين خريجات الجامعة بلغت 62.6 بالمئة، مقابل 37.4 بالمئة بين الذكور من المستوى التعليمي نفسه،، وأكدت أن البطالة تتركز بصورة أكبر بين حملة البكالوريوس فأعلى،،

فحين تكون هذه هي الصورة، ثم تعلن الحكومة البحث عن خبرات خارجية، فهي لا تعالج أزمة بل تعمقها،، هي تستبعد الكفاءة المحلية مرتين ؛ مرة من سوق العمل، ومرة من دوائر القرار الفني،،

ثم إن خطاب الوزير يبدو أكثر ضعفا حين نقارنه بما تنشره مؤسسة الضمان نفسها،، فالمؤسسة تعرض على موقعها الرسمي “الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة” ضمن سلسلة دراسات منشورة، ما يعني أن الملف أصلًا يقوم على تقييمات اكتوارية دورية، وليس على فراغ معرفي،،

والأهم من ذلك أن المؤسسة نفسها أعلنت في فبراير 2025 أن لديها “مركز دراسات إكتوارية متقدم”، وأنها بدأت منذ عام 2010 بتأهيل كوادرها الإكتوارية والإلكترونية، وأن هذا المركز أنجز دراسات للضمان ولمؤسسات خارج الضمان،،

وصرح مديرها العام أن الدراسة الواحدة كانت سابقا تكلف المؤسسة أكثر من نصف مليون دينار عندما كان الخبراء الأجانب ينجزونها بالكامل، بينما انخفضت الكلفة إلى أقل من ربع ذلك بعد أن باتت كوادر المؤسسة تنفذ الجزء الأكبر من العمل.

وهنا يظهر التناقض الفاضح،،
فإذا كانت المؤسسة تملك مركزا اكتواريا متقدما، وإذا كانت تؤكد أنها تؤهل كوادرها منذ 2010، وإذا كانت كلفة الدراسة انخفضت لأن الأردنيين صاروا ينجزون الجزء الأكبر منها، فما معنى العودة إلى خطاب يوحي بأن إنقاذ الاستدامة يحتاج خبرة مستوردة،،

فهل المشكلة نقص خبرات،،!!! أم ضعف ثقة رسمي بالكفاءات الوطنية،!!! أم محاولة لتغطية عجز سياسي وإداري بواجهة فنية خارجية،،!؟؟؟!!!

وعندما تستمر الدولة في التعامل مع الملفات الاستراتيجية بعقلية شراء الخبرة بدل إنتاجها،، فلا يمكنك أن تتحدث عن منظومة تحديث اقتصادي، ثم تدير أهم مؤسسة حماية اجتماعية في البلاد بمنطق التبعية الفنية،،

ما يقوله هذا الوزير في جوهره هو الآتي:

الحكومات لم تنجح في تحويل التعليم الأردني إلى قوة مؤسساتية داخل الدولة،، ولم تنجح في ربط الجامعات والباحثين، والاقتصاديين، وخبراء الرياضيات المالية، والاكتواريين، بمراكز القرار،، ولم تنجح في بناء تقليد مؤسسي يجعل الدراسة الاكتوارية وظيفة وطنية مستقرة لا مناسبة طارئة يُستدعى لها الخارج كلما اشتد القلق.

وعليه،،
فالحكومة لا تعاني نقصا في الكفاءات،، بل تعاني فشلا في إدارتها،، ووزير العمل البكار بدل أن يشرح للرأي العام كيف ستبنى قدرة أردنية مستقلة، عمل على تقديم خطاب يكرس الانطباع بأن الدولة، بعد كل هذه السنوات، ما زالت تبحث خارج حدودها عما عجزت عن تنظيمه داخل مؤسساتها.