اليوم دخلنا في نقاش انا و اصدقاء لي ، كنّا نتحدث عن مجموعةٍ ما ، في جميع الأوقات تُسيء للأردن و تُدخلهُ دائمًا في حالة من النكران و الخزعبلات القومية و تطرقنا لنقاشات و سجالات دارت على مواقع التواصل بينَ مدافع و جاحد ، أحدهم رددَ قائلًا ( مشكلتنا الأردني ما يقرأ تاريخه ) ، أدركت حينها بأنهُ وضعَ يداه على جرحٍ يتمزق كلما تعرضنا للنكران ،
و هنا كانَ لزامًا أن أتوقف عندَ تلال هذه الجمله ، نعم الأردني أصابتهُ حالة زهايمر بتاريخه و لم يعد يقرأه ، لم يعد يستنهض الروح ببطولات و انجازات سُطرت على تُراب هذهِ الأرض ، لم يعد يُدرك بأننا مهد الحضارات و مدرسة للأُمم في بناء وطن ولدَ في النار ، حسنًا ، لنُشاهد المصريين مثلًا ، الى حد هذهِ اللحظة يفتخرون بالحضارة الفرعونية على أرضهم ، يذكرونها و أسسوا لها متاحف و اماكن خلدتها الى حد هذهِ اللحظة ، شاهدوهم في عناقهم الى حد هذهِ اللحظة لثورة ١٩٥٢ و عبد الناصر و فخرهم بالقومية العربية و السد العالي و تأميم القناة ، لذلك دائمًا ترى الشعب المصري يمتلك وعي سياسي مُهيب لأن يُدرك تاريخه تمامًا ،
خذوا مثلًا اليونانيون الى حد هذهِ اللحظة يستذكرون الإسكندر الاكبر و الاستقلال الحديث ، التاريخ عندهم جزء من الهوية القومية بقوة ، و الى الآن يفتخرون و يرددن ( نحنُ أحفاد افلاطون ) ،
حتى الصينيون الى لحظتنا هذهِ يستذكرون الغزو الياباني و قرن الإذلال من القوى الغربية ، حتى الثورة الشيوعية لم ينسوها ، و للعلم التعليم عندهم الى حد الآن يُركز على الظلم الخارجي ، حتى التاريخ أصبح عندهم أداة للوحدة الوطنية ،
و اليابانيون لحد يومنا هذا يستذكرون الساموراي و قيم الشرف ، الحرب العالمية الثانية لم تُمحى من ذاكرتهم ، حتى قنبلة هيروشيما النووية لم ينسوها و أسسوا لها متاحف كامله مع قصص إنسانية مؤلمة ، التاريخ عندهم إنضباط و هوية و الأمثلة كثيرة ،
كل الدول و التجارب التي ذكرتها هي الأن من أعظم الدول لذلك نرى كل هذهِ الشعوب تعرف رمزية الأرض و تعي تمامًا ما قيمة بلدانهم و كيف تأسست و تُدرك تاريخها الطويل بمعاناته و بطولاته ،
حسنًا لنعود ، الأردني لم يعد يقرأ تاريخه ، الأردني على الأغلب نسيَ بأنَّ الأنباط سكنوا أرضه و توالت عليها الحضارات الكثيرة ، الأردني نسيَ تعريب قيادة الجيش العربي و طرد كلوب باشا ، الأردني نسيَ تضحيات أجداده على أرض فلسطين في معركة اللطرون و باب الواد ، على ما يبدو نسيَ معركة الكرامة التي شكلّت ميداميك الإنتصار و أعادت الروح العربية ، الأردني لم يقرأ بأنَّ بلده الوحيد الذي قدّم ثلاث رؤوساء وزراء و ملك شهداء ، هذا كله نسيّه و أصابه حالة اضطراب و تخبط ، لا البلد ولا الشعب ولا حتى الأرض تستحق ذلك ، و انا قدماي كلما تطأ على تراب الأردن أشعر بأنَّ غُباره يُعاتبني ، أجدادنا عندما كانوا يتحدثون لابائنا عن التاريخ كانوا يُريدون فقط أن نعي تاريخنا المُشرف و نعيّ تمامًا أنفة العشائر و كبريائهم ، ذكرت العشائر لأنهم جزء مهم من الهوية و كانوا الأداة الرئيسية في صقل التاريخ ،
بعد هذا كله ، هل سألنا انفسنا لماذا الأردني فاتَ بالنسيان ؟! لأنَّ خطابنا العام أصبحَ هش و ضعيف ، يخلوا من التاريخ و أصبح يُركز فقط على إنجازات شخصية ، حتى الإعلام عنا لم يعد يعرف التمييز هل هو دوره وطني و محوري أم أنهُ فقط يصيغ المشهد بطريقته ، لم أعد أستطيع فهم كيفية استضافة من يقدمون الخطاب العام هل على قاعدة الثقافة و الفهم و المعرفة و قبل كل شيء قاعدة الوطنية أم على اساس قاعدة المعارف و العلاقات الشخصية ؟! ، أصبحت اشعر كلما اتحدث بالتاريخ اشعر أنني الملحد الوحيد بينَ فتيّة مؤمنون ، لم يعد لنا مكان لأن الأوطان التي لا تُروى تنسى ابنائها قبل أن ينساها ابناؤها ..
محمد نوفان الشهوان

