عدنان الروسان
سأحلُّ ضيفاً ثقيلاً على السيدات والسادة قرّاء ومشاهدي “عرب سكاي”؛ فقط طلب مني الصديق أحمد الطيب أن أكتب مقالاً أسبوعياً للموقع، ولم أستطع أن أرفض، لكنَّ المقالة الأولى تكون محيرة، فماذا يريد القرّاء أن يقرؤوا وقد مللنا القراءة والكتابة كلنا أو جلنا، وهنا يبدأ الكاتب “يتحزر”…
أخيراً حزمتُ أمري وعزمتُ أن أكتب في المقال الأول عن سفرة لي إلى اليمن بعيداً عن السياسة وهمومها، ولنأخذ نفساً من حالة الترقب والانتظار لمضيق هرمز ومشاكله، فقد صرنا نرى هرمز في أحلامنا، وفي الصلاة نخطئ في القراءة لأن هرمز يكون حاضراً دائماً بعد مصائب حريق “الحرسي” ترامب وعمايله التي قلب فيها المنطقة.
المهم، ما علينا..
حجزتُ لي مقعداً على الطائرة المتوجهة من عمان إلى صنعاء، وهبطنا في المطار المحاط بالجبال من كل جانب. إجراءات الدخول مريحة جداً، الجماعة يرحبون بالزوار والإجراءات سريعة رغم أن المطار قديم وليس بجمال مطارات العالم الأخرى. خرجتُ من البوابة؛ كان في صنعاء كلها فندق خمسة نجوم واحد و”حياة عميرة” ما في غيره، فندق “سبأ”، وكنت قد حجزتُ غرفة لي فيه بواسطة “التلكس”. معظم القراء لا يعرفون التلكس بالتأكيد فأنا أتحدث عن العام 1980 أو قبل ذلك بعام، أي قبل خمسة وأربعين سنة، وفي ذلك الوقت لم يكن معروفاً بعدُ الإنترنت ولا الفاكس ولا الإيميل؛ التلكس كانت الآلة الأكثر تقدماً في العالم للتواصل.
كان يجب أن أقابل وزير السياحة اليمني، وبالفعل اتصلتُ به بعد أن استقر بي الحال، ورحب بي على التلفون وجاء إلى الفندق. كان عبد الملك منصور رجلاً طيب المعشر، وزيراً متواضعاً ومحدثاً جيداً، ودعاني إلى الإفطار في اليوم التالي في منزله، ولم يعجبني المنزل ولا الفطور، وكان لماحاً فقال لي: “يا أخي والله أنتم في بلاد الشام لا يعجبكم العجب ولا الصيام في رجب”، فهم يلفظون الجيم قافاً مخففة، وقالها بلهجته المحلية لكن كان مبتسماً ومداعباً وقال لي: “قم، الطعام لا يعجبك”، فحاولت أن أجامله لكنني قمتُ وأنا “مش مصدق”..
المهم، يكفي إلى هذا الحد في الحديث عن الوزير وقد أعود للحديث عنه.
ذهبتُ إلى تعز بالسيارة، والطريق جميل ومخيف؛ جبال وأودية… والعودة كانت بالطائرة. المطار لا أدري كيف تخرج الطائرات منه فهو أيضاً محاط بالجبال والمطار في وادٍ عميق. المهم، داخل المطار هناك “كفتيريا” برندا داخلية وهناك سلم تصعد عليه، لكن يجب أن يكون هناك أحد كي يمسك لك السلم حتى لا ينزلق و”يروح فيها الواحد”، وبعد أن تصعد تمسك السلم لمن ساعدك في الصعود..
عند الصعود إلى الطائرة كان هناك جندي أو شرطي واقف على باب الخروج والمسافرون يخرجون من الباب ويتوجهون للطائرة سيراً على الأقدام. حينما جاء دوري قام الشرطي بمحاولة تفتيشي، قلت له: “وقف شوية على مهلك”، نظر لي مستغرباً وقال: “ماذا قلت؟ تريد أن تفتشني؟”، قال: “أيوه”، قلت: “تبحث عن ماذا؟”، حك ذقنه ونظر إلي وقال: “يعني تفتيش”، قلت له: “تبحث عن سلاح؟”، قال: “أيوه يا أخي عطلتني”، قلت له: “هل في أي واحد غيري مش حامل كلاشنكوف في الطيارة كلها؟ الكل مسلح، لكن أنا ملابسي تدل على أنني لست يمنياً فتريد أن تفتشني”..
ضحك الرجل وقال: “يا أخي أخّرت الطائرة، أقنعتني، مع السلامة”، وتركته وهو يقهقه ويهز رأسه.
بعد ذلك، لا أدري في نفس الرحلة أو غيرها، ذهبتُ إلى صعدة، وهي مدينة جميلة جداً ورومانسية ويسمونها “صحارى الشام” لأنها تحفل بالزروعات والفواكه والخضروات والقات طبعاً، وكان لي هناك أصدقاء، وذهبنا معاً كي أتعرف على المدينة القديمة والتي تكاد تخلو من الخدمات، وزرتُ سوقاً يسمى “سوق الطلح”. سوق الطلح يذكرني بما رسخ في ذاكرتنا الذهنية عن شكل “سوق عكاظ” أو الأسواق القديمة في المدن العربية في العصر الجاهلي والإسلامي أيضاً..
دكاكين ومتاجر من الطين وساحات وفضاءات متخلفة بين المتاجر، والغالبية الساحقة من المتاجر تبيع التمر والقات والسلاح. بإمكانك أن تشتري أي قطعة سلاح كما تشتري الحلوى في الأردن مثلاً؛ لا ترخيص ولا هوية ولا سؤال ولا جواب..
رأيت بندقية كلاشنكوف، أو AK-47 كما هو اسمها الروسي، رائعة الجمال، مذهبة وجديدة، وسألت البائع وكان صبياً في الخامسة عشرة من العمر، قلت له: “كم سعر الكلاشنكوف؟”، أخذ البندقية وبدأ يشرح لي عنها، ثم عبأها بمخزن محشو بثلاثين طلقة وأمسك الرشاش بيد واحدة و”معط” الثلاثين طلقة في الفضاء كي يريني كم هي جيدة وسريعة…
قلت: “يا رجل هساع بتيجي الشرطة، شو سويت؟”، وضحك طويلاً على سذاجتي.
الحديث يطول، وقد أقدم لكم حلقة في برنامج “أوراق لم تقرأ بعد” مدعمة بالصور حتى لا يقول أحد “كاتبنا مقطّف”..
لكن.. لا بُدَّ من صنعاءَ وإن طال السفر
الشعب اليمني من أطيب الشعوب العربية؛ مضياف وكريم وشجاع وهادئ… وتشعر بالراحة في التعامل معه، لكن بالنسبة للمواعيد… انسوا الموضوع.

