بقلم عدنان الروسان
بينما ننشغل بضجيج التصريحات الاعلامية لكل الاطراف ، تعمل بكين وموسكو على خرائط لا تشبه التي نعرفها في عالمنا اليوم . لقد خسرنا مستقبلنا يوماً حين تركنا باريس ولندن ترسم حدودنا في سايكس بيكو .. واليوم، التاريخ يعيد نفسه بصمتٍ مخيف؛ فالنظام العالمي الذي عشناه لمائة عام يلفظ أنفاسه الأخيرة، والأقوياء الجدد لا ينتظرون المتفرجين!”
بَدأَ النِّظامُ العالَميُّ الجَديدُ يَتَشكَّلُ، ليس من خِلالِ حربِ أمريكا على إيران فحسب؛ فهذه الحربُ ليست إلا مَظهراً واحداً من مَظاهرِ المُتغيِّراتِ الكبرى التي ستحصلُ قريباً، بل قريباً جداً في العالم.
أوكرانيا مكانٌ آخر تتبدّى فيه إرهاصاتُ المتغيِّرِ الكبير، الذي قد نراهُ في غضونِ أشهرٍ أو سنةٍ من الآن. وفي التَّفاصيلِ الصَّغيرةِ عالَمياً، نجدُ أنَّ الصينَ تُساعدُ إيرانَ، ولم يَعُدْ هذا سراً كبيراً، لكنَّ المَخاوفَ الأمريكية الكبرى -والتي تدفعُ منظومةَ الإدارةِ الأمريكية إلى ارتكابِ سلسلةٍ من السياساتِ المُرتبكة- تتعلّقُ بروسيا والصين.
لقد شكَّلَ العَرضُ العَسكريُّ الصينيُّ قبل أشهرٍ حالةً من الذُّهولِ في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية، وقلبَ كثيراً من حساباتِ “الدولةِ العَميقة”؛ فما ظهرَ في العرضِ على صَعيدِ التِّقنياتِ الحديثةِ أربكَ صُنّاعَ القرارِ العسكريِّ الاستراتيجيِّ في البنتاغون، ودفعهم إلى إعادةِ النَّظرِ في الاستراتيجيةِ الأمريكية التي تمَّ الإعلانُ عنها، ومن المهمِّ لأصحابِ الاختصاصِ والمهتمين بالشَّأنِ العامِّ أن يَطّلعوا عليها.
الصينيون معروفون بـ الصَّبرِ والاستراتيجيِّ وطُولِ النَّفَس، وهم مُقِلّونَ في الكلامِ على عكسِ الغربِ وخاصةً أمريكا. والأمرُ الثاني والمهمُّ جداً، والذي أزعجَ واشنطن بقوة، أنَّ الصينَ دعت 28 رئيسَ دولةٍ لحضورِ العرضِ العسكريِّ، وكان من بين الحُضورِ روسيا وكوريا الشمالية، وكانت اللقاءاتُ حميميةً للغايةِ بين الرئيسِ الصينيِّ ورئيسَي كوريا وروسيا.
في التحليلِ السياسيِّ، يجبُ أن ننتبهَ لبعضِ التفاصيلِ الصغيرةِ والتصريحاتِ التي نعتبرها عابرةً أحياناً؛ فقد قال شي جين بينغ لبوتين قبل وداعِهِ: “لقد بَنى العالمُ نظاماً دولياً قبل مائةِ عام، وأنتَ وأنا سنُغيِّرُ هذا النظامَ ونبني معاً نظاماً عالَمياً جديداً”.
اليومَ، هناك تحالفٌ استراتيجيٌّ بدأ يتبلورُ بين روسيا والصين تحديداً، والصينُ تعملُ بهدوءٍ كما قلنا، وفي غضونِ سنةٍ واحدةٍ أو سنتين -وربما قبل ذلك- سنصحو ذاتَ صباحٍ على أخبارِ استعادةِ الصينِ لجزيرةِ تايوان وضمِّها؛ ولا تستطيعُ أمريكا منعَ ذلك، لأنَّ مَنعَهُ يعني حتماً حرباً عالميةً ثالثة، وأمريكا قد تُقدِمُ على كلِّ شيءٍ إلا الحرب الثالثة؛ لأنها ستكون الخاسر الأكبر بكل تأكيد.
ما نتحدثُ عنه ليس أمنياتٍ أو أوهاماً، بل قراءةٌ مَعمورةٌ جداً لما يجري في العالم. إنَّ الحربَ التي يشنُّها الرئيسُ الأمريكيُّ ترامب على إيران -بدونِ مبررٍ كافٍ سوى اختلاقِ أعذارٍ بحمايةِ العالم من البرنامجِ النوويِّ- هي رسالةٌ موجهةٌ للصينِ وروسيا بأنها ستسيطرُ على مصادرِ الطاقةِ في العالم؛ فنزويلا أولاً، ثم إيران، غير أنَّ “حسابَ السَّرايا لم يُطابق حسابَ القرايا” في إيران، فتعثّرت استراتيجيةُ ترامب، وهذا ما جعلَ المَشهدَ شديدَ الارتباكِ والتعقيد؛ فلا أمريكا قادرةٌ على مواصلةِ الحرب، ولا هي قادرةٌ على وقفها والخروجِ منها.
أيُّ متابعٍ للمشهدِ يرى هدوءَ إيرانَ المُحيّر، فهي تحتَ تهديدٍ خطيرٍ غير أنها لا تتنازلُ ولا تتراجع، وهذا أمرٌ يحتاجُ إلى قراءةٍ دقيقة. وفي أوكرانيا، لا نرى أنَّ روسيا تريدُ حسمَ الأمرِ عسكرياً رغم قدرتها على ذلك، وهو أمرٌ يبعثُ على الحيرةِ أيضاً.
النظامُ العالميُّ يتشكَّلُ بهدوء، ويمكننا إثباتُ ذلك بحُججٍ قويةٍ بعيداً عن التَّنجيمِ أو الرجمِ بالغيب، بل بالوقائعِ والتصريحاتِ الموثَّقة. وهنا يبرزُ سؤالٌ جوهريٌّ:
هل النظامُ الرسميُّ العربيُّ مُتنبِّهٌ لخطورةِ المتغيِّراتِ العالمية؟ وهل لديه مشروعٌ ليكون جزءاً منها؟ بالطبع، إذا كنا نحنُ نستشرفُ ما يحدث، فلا بدَّ أنَّ الحكوماتِ والأجهزةَ العربيةَ تُدركُ ذلك ربما أفضلَ منا، لكنَّ الخوفَ يكمنُ في أن يبقى “الارتباطُ بالسياساتِ الغربية” هو العائقَ الذي يحدُّ من قدرةِ الدولِ العربيةِ على المشاركةِ في صياغةِ النظامِ الجديد. لقد خسرنا الكثيرَ حينما تركنا فرنسا وبريطانيا ترسمانِ مُستقبلنا، وربما علينا اليومَ ألا نجعلَ التاريخَ يُكرّرُ نفسَهُ، فنحنُ على رأسِ قائمةِ المناطقِ التي تُمثّلُ أولويةً لـ “الأقوياءِ الجُدد” الذين يَرسمونَ خرائطَ العالمِ في غرفٍ شديدةِ السرية.

