خبراء يدعون لكسر الوصمة وتوسيع الدعم النفسي للحد من تفاقم الأزمة
عرب سكاي – رشا اليمني – القاهرة
لم تعد معاناة الشباب مجرد مرحلة عابرة، بل أصبحت واقعا معقدا تتداخل فيه الأزمات النفسية مع تحديات الحياة اليومية في عالم يزداد تسارعا وضغطا، وخلف ابتسامات كثيرة، تختبئ ضغوط صامتة قد تتحول في بعض الحالات إلى أفكار أكثر خطورة، وهو ما يطرح تساؤلا ملحا حول ما إذا كان الشباب باتوا أكثر عرضة للانتحار..؟
ووفقا لبيانات منظمة الصحة العالمية، يعد الانتحار من أبرز أسباب الوفاة بين الشباب عالميا، خاصة في الفئة العمرية من 15 إلى 29 عاما، مع تسجيل مئات الآلاف من الحالات سنويا، وتشير تقارير المنظمة إلى أن نسبة كبيرة من الشباب يعانون من اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق، من دون الحصول على الدعم أو العلاج المناسب.
ويرى متخصصون أن تدهور الصحة النفسية لدى الشباب لا يرتبط بعامل واحد، بل هو نتيجة تراكمات عدة، أبرزها الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، والقلق من المستقبل وفرص العمل، والعزلة الاجتماعية وضعف الروابط الإنسانية، إلى جانب التأثير المتزايد لمنصات مثل إنستغرام وتيك توك.
وفي هذا السياق، يقول المدير السابق للمعهد الوطني للصحة النفسية الطبيب النفسي الأمريكي توماس إنسل، “نحن أمام أزمة حقيقية في الصحة النفسية للشباب حيث تتزايد معدلات القلق والاكتئاب بشكل غير مسبوق”.
ولا تقف الأزمة عند حدود المعاناة النفسية، إذ تشير المعطيات إلى أن الصحة النفسية غير المستقرة قد تكون بوابة لمخاطر أكبر إذا لم يتم التعامل معها مبكرا، فـ الاكتئاب الحاد قد يقود إلى أفكار انتحارية، وغياب الدعم النفسي يزيد من حدة الأزمة، فيما تمنع الوصمة الاجتماعية كثيرين من طلب المساعدة.
وتؤكد المتخصصة في الطب النفسي الدكتورة كي كاي تشينغ، أن “الصمت هو العدو الأكبر، كثير من الشباب يعانون دون أن يُلاحظهم أحد، وهو ما يزيد من احتمالات تطور الحالة”.
الى ذلك، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورا مؤثرا في تفاقم الأزمة، رغم دورها في التواصل، فـ المقارنة المستمرة مع الآخرين، والشعور بالنقص وعدم الرضا، والتعرض للتنمر الإلكتروني، كلها عوامل تضاعف الضغوط النفسية على الشباب.
ويشير الباحث الاجتماعي جوناثان هايدت إلى أن “التحول الرقمي في حياة الشباب، خاصة عبر الهواتف الذكية، ارتبط بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق لديهم”.
وفي مواجهة هذه الأزمة، يرى الخبراء أن الوقاية ممكنة إذا تم التعامل معها بوعي، من خلال نشر ثقافة الاهتمام بالصحة النفسية، وكسر وصمة العلاج النفسي، وتوفير خدمات دعم نفسي ميسرة، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة.
وفي هذا الإطار، يؤكد أستاذ الصحة العالمية الدكتور فيكرام باتيل، أن “الاستثمار في الصحة النفسية للشباب ليس رفاهية بل ضرورة لحماية المجتمع بأكمله”.
وبين ضغوط الحياة وصمت المشاعر، يقف كثير من الشباب على حافة لا يراها أحد، لكن المؤكد أن هذه الأزمة ليست بلا حل، فكل كلمة دعم، وكل محاولة فهم، قد تكون الفارق بين الاستمرار والانهيار.
ويبقى الوعي، وكسر الصمت، وطلب المساعدة، خطوات أساسية نحو إنقاذ حياة قد تبدو هادئة من الخارج، لكنها تحتاج لمن يسمعها من الداخل.

